“نشأة اللوحة في الوطن العربي”لنزار شقرون… قراءة نقدية في بدايات الفن التشكيلي عربياً مصر ولبنان وتونس الأقدم ...والتشكيل بقي مهمشاً في الواقع العربي

0 159

كتب – جمال بخيت:

ينطلق كتاب «نشأة اللوحة في الوطن العربي» للناقد التونسي الدكتور نزار شقرون، من أهمية اللوحة عربيا ومكانتها بين الفنون الأدبية، ويقع الكتاب في 193 صفحة من القطع المتوسط.
الكتاب جاء مرآة لما تطرحه اللوحة المسندية في الوطن العربي من أسئلة عديدة، لا ترتبط بالسياق التاريخي فقط، وإنما بالإشكاليات التي رافقتها، ما دفع المؤلف إلى البحث في نشأة اللوحة، وما التبس بها من إشكاليات، منها ما يتصل بتلقي التصوير الغربي، وبنسق تأسيسه ولزومياته في تربة عربية اعتادت على غيره من صنوف الفن.
ويقف الكتاب عند جملة من الاصطلاحات التي تبدو للوهلة الأولى في سياق التداول، ولكنها -حسب تعبير الكتاب- ملغزة وتحتاج إلى مساءلة: فماذا نعني بـ «النشأة»؟ وأي دلالة للوحة المسندية؟ وما المقومات التي حفت بنمو هذا الفن في المجتمع العربي، وكيف تجلت قضايا اللوحة المسندية في الممارسة الفنية للفنانين العرب الأوائل.
هذه الأسئلة وغيرها، حاول الكتاب الإجابة عنها ضمن المحاور التي طرحها، ومنها: النشأة في ميزان الخطاب التاريخي، والاستشراق الفني، وصدمة الحداثة الفنية في مصر، والجيل المصري الأول ورهانات البحث الفني، اللوحة في السودان وظلال الإرث الشعبي، اللوحة المسندية في العراق، من حيث معالم التبني ومسارات الجماعات الفنية.
كمــــا رصد الكتــــاب للوحة في تونس، من حيث الأثر الاستعمــــاري والتحرر من الأكاديمية، وكذلك اللوحة المسندية في الجزائر من الدور الاستشراقي إلى الخصائص الفنية، ولم يغفل الكتاب تناوله للوحة في المغرب وغلبة الاتجاه الفطري، وكذلك بحثه للوحة في فلسطين والتخلص من الأيقونة، واللوحة في سورية من حيث التنوع وحضور البعد الوطني، واللوحة المسندية في لبنان من حيث سمات التأسيس والانفتاح على الغرب، واللوحة في الأردن من حيث الأفق المتشابك للتجربة الفنية.
الاستشراق والتشكيل
ويميز المؤلف بين نوعين من الرسامين الاستشراقيين؛ نوع يعتمد على خياله وهو من أثر الأدب الرومانسي، مثل لوحة «ساردانبال» لدولاكروا، ولوحة «الجواري التركيات» لأنجر. ونوع يستخدم الرؤية الحسية المباشرة منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر بفضل حركة التجارة والتوسع الاستعماري مثل أعمال الرسام جان إيتيان ليوتار الذي أول من دشن رسوم الاستشراق حين أُرسل في مهمة لدى الباب العالي، فاكتشف الشرق ورسم سلسلة من اللوحات تجسد أوروبيات بلباس شرقي.
ويطرح المؤلف سؤالا مهما وهو: هل كان المصور العربي يباشر ممارسته الفنية بعينه أم بعين الاستشراق؟ ويرى المؤلف بأن مصر سبقت في انفتاحها على الغرب الأوروبي بسبب الحملة الفرنسية إليها «1798 – 1802»وساعدها ذلك على التنصل التدريجي من الحكم العثماني.
اللوحة في مصر
وفي مجال الفن التشكيلي أصبح هناك سياقان: السياق الرسمي، وغير الرسمي للفن، حيث خلقت المعارض الفنية التي نظمت في مصر ابتداء من سنة 1891 اهتماما بهذه الثقافة البصرية الجديدة لدى فئات قليلة من الشعب المصري، وتمثلت هذه الفئات في شرائح بعض المثقفين والأثرياء الذين اعتبروا قبول واحتضان اللوحة المسندية في محيطهم نوعا من التباهي والوجاهة لإظهار انتمائهم إلى ثقافة الحداثة.
السودان والعراق
وعن اللوحة في السودان يتحدث د. نزار شقرون ويوضح أن الخمسينيات هي الحقبة الرئيسية لتكون ملامح فن سوداني منفتح على التجربة الغربية. وبرز خلالها الفنان إبراهيم الصلحي والفنان أحمد شبرين. وفي العراق تأخر ظهور اللوحة المسندية عن تاريخ دخولها إلى دول عربية أخرى مثل مصر وتونس ولبنان، رغم ما زخرت به العراق من ثراء تصويري في تاريخها الحضاري الرافدي والإسلامي.
وقد ظهرت اللوحة في العراق عن طريق الصدفة وبتأثير عثماني، وبدأت مع الفنان نيازي مولوي بغدادي، ثم برز الفنان فائق حسن الذي أنشأ «جماعة البدائيين» إثر عودته من باريس سنة 1940 وعملت الجماعة على الخروج إلى الفضاءات المفتوحة للتصوير، ومتنت الصلة الإنسانية بين أعضائها حتى أصبحوا بمثابة العائلة الواحدة.ثم يأتي بعد ذلك الفنان عبدالقادر الرسام الذي يعد أول من تنبى التصوير الغربي بشكل فعلي، ثم الفنان جواد سليم الذي اختار لفنه طريقا جديدا.

مرحلة التبني
ويحدثنا المؤلف عن مرحلة «التبني» حيث قام أفراد في البداية بإعلان الرغبة في تبني الشكل الفني الغربي كتعبير عن انسداد أفق «الفن الإسلامي» الذي تمثل في المنمنمات والأرسومات، ولكن الفنان العربي يواجه معضلات كثيرة، فقد تبنى شكلا فنيا مرتهنا بتطور التقنية الغربية، وهذا ما يفيد بقاءه في حدود التابعية التقنية، ثم إنه تبنى الشكل دون وعي بخطورة المفاهيم، وتصف سيلفيا نايف الفنان العربي في هذه المرحلة بأنه جاهل بالمفاهيم، وهو ما جعل الأعمال الفنية العربية مفتقرة إلى الإبداعية.

التقنية الأوروبية
ويقول ان أول فنان تونسي يستخدم التقنية الأوروبية في الرسم في ستينيات القرن التاسع عشر، الفنان الهادي الخياشي الذي التزم بتصوير البورتريهات والمناظر الطبيعية، كما يبرز الفنانون عبدالوهاب الجيلاني ويحيى التركي وعبدالعزيز بن الرايس.
وفي الجزائر يبرز اسم محمد راسم الذي لم يساير اللوحة المسندية في بداياته وبقي وفيا للمنمنمة العربية الإسلامية، لكنه عاش متأثرا بتصوراتها التقنية واستفاد من الرسم الأكاديمي الغربي في معالجته للتشخيص في منمنماته.

الجزائر وسورية
وفي عام 1880 تأسست مدرسة الفنون الجميلة بالجزائر والتي تعتبر من أقدم مدارس الفنون في المنطقة العربية وهي عبارة عن مدرسة حرة درّست الفنون الغربية مثل الرقص والموسيقى الكلاسيكية الغربية والتصوير، واستفاد منها الفنانون الجزائريون مثل أزوارو معمري وعبدالرحمن ساحولي.
أما اللوحة في سورية فقد توزعت بين التنوع الجمالي وحضور البعد الوطني، حيث أشارت المرحلة العثمانية في نهايتها إلى ولادة فن اللوحة المسندية، حيث ظهر الفنانون الأوائل ليعلنوا عن بداية ممارسة جديدة للفن لم يعرفها التراث الفني السوري رغم معرفته لفن التصوير على الزجاج.
وبرز في سورية المصور الأب يوسف الحلبي، وتوفيق طارق وعبدالوهاب أبو السعود وسعيد تحسين ومحمود جلال وأدهم إسماعيل ونصير شورى، ومن الملاحظ أن البدايات السورية ترددت بين اتجاهين مهمين هما الواقعية والانطباعية، وكانت القاهرة مركز استقطاب لأكثر من فنان سوري مثل ناظم الجعفري وصبحي شعيب.

لبنان الأقدم
وتناول المؤلف اللوحة في لبنان ويشير الي ان اللوحة المستندية هي الاقدم في لبنان والفن التشكيلي الاقدم ظهورا من غيره في باقي البلدان العربية،وعرض المؤلف لسير اوائل الفنانين اللبنانين امثال صليبا الدويهي الذي يعتبر اول فنان لبناني تمتع بالدراسة في باريس،وتناول تاسيس جمعية الفنانين اللبنانين للرسم والنحت عام 1953بتشجيع من فناني الجيل الاول،ثم ظهور متحف نيقولا سرسق الذي وهبه الى مدينة بيروت ليكون متحفا للتراث والفن اللبناني، ويخلص شقرون في نهاية كتابه «نشأة اللوحة في الوطن العربي» الصادر عن سلسلة «كتاب الدوحة» إلى أن الممارسات التشكيلية بقيت أسيرة النخب والطبقات الموسرة، وهو ما تسبب في انغلاق عالم التشكيل منذ البداية، ولعل تبعاته لا تزال قائمة إلى اليوم.
وعلى الرغم من إسهام المؤسسات الرسمية في الإحاطة بالفنانين من خلال إنشاء المدارس الفنية والبعثات إلا أن الفن التشكيلي بقي مهمشا في الواقع العربي.

You might also like