نفوذ الأقلية اليهودية ( الحلقة التاسعة)

0

باسل محمد

في الحسابات الإحصائية، يوجد أكثر من 14 مليون نسمة اجمالي عدد اليهود في العالم، بمن فيهم من هم في الدولة اليهودية القومية في فلسطين، كما يوجد أكثر من ملياري نسمة من المسيحيين، وأكثر من مليار ونصف المليار نسمة من المسلمين، ويوجد كذلك من الديانية الأرضية: الهندوس قرابة مليار نسمة.
على المستوى الدولي، تملك اليهودية السياسية قوة التأثير الأكبر في العالم رغم أنها اقلية سكانية لأعتبارين رئيسيين:
الاول: الموقع الجيوسياسي لقوة التأثير هذه، أي أنها موجودة في الدولة الاولى اقتصادياً وعسكرياً، وهي الولايات المتحدة الأميركية.
الثاني: وجود النظام السياسي الرأسمالي، لأن اليهودية لا تستطيع بناء نفوذ لها بهذه الكيفية، وهذا المستوى العبقري في أنظمة حكم أخرى غير الرأسمالية، لسبب وجيه وهو انها تعمل في مشاريع رؤوس أموال كبيرة.
ليست الرأسمالية لوحدها، الرأسمالية والديمقراطية معاً، لأن الأنظمة الديمقراطية تمثل بيئة مثالية لليهودية السياسية لكي تتحرك بحرية الى بناء نفوذ قوي لها، كما أن قوة خطط رأس المال، اي رأس مال، يتطلب ديمقراطية و حريات.
في الميدان العملي لقوة النفوذ والتأثير التي تملكها اليهودية السياسية في العالم: لدينا مع رأس المال، عنصران آخران رئيسيان هما: وسائل الأعلام التقليدية ( الصحافة والراديو والتلفزيون) وصناعة السينما التي تعد الوسيلة الأذكى للتعامل مع الرأي العام، وقد اعتمدت عليها اليهودية السياسية بشكل فعال في نشر قيمها ومفاهيمها حول الدين والسياسة وبناء المجتمعات، وفي الفترة الحالية، طبعاً وسائل الأتصال الرقمية، أما العنصر الثالث الأكثر اهمية هو عنصر الستراتيجيات ويحتاج من اليهودية السياسية الى مخزون هائل من المعلومات عن مجتمعات النظام الدولي، وبخاصة حول العالم العربي، كمنطقة صراع مع اليهودية السياسية.
السؤال لماذا: عنصر الستراتيجية يتقدم رأس المال والرأي العام في الأهمية؟
في العالم العربي، لدينا رأس مال، عام وخاص، وتوجد وسائل اعلام واتصال أيضاً.
طبعاً لا توجد صناعة سينما، وهذا نقطة ضعف منهجية في ما يسمى صراع القيم على المستوى الدولي، واليهودية السياسية تملك عبقرية في هذا النوع من الصراع، وفي تمويل صناعة السينما العالمية.
المهم، لدينا الأمير وليد بن طلال، وهو رأس مال هائل في المنطقة قبل أن يدخل في اشكاليات، على سبيل المثال لا الحصر، لكنه رأس مال هش لأنه رأس مال يتحرك في مواقع ومشاريع هشة، كما أن أحلام رأس ماله، صغيرة وعادية لا يبني دولة قوية ولا منطقة قوية ولا دين قوي كما يفعل رأس مال اليهودية السياسية.
في التجربة الأميركية: رأس المال لليهودية السياسية، يمول مشاريع علمية وصناعية مذهلة وضخمة، هو لا يمول مشاريع صغيرة ولا متوسطة لأن المشاريع الصغيرة والمتوسطة لا تبلور نفوذاً كبيراً، وباحثو اليهودية السياسية يعرفون ذلك بدقة، ولذلك هم لا يريدون، ولا يسعون الى أي نفوذ عادي، هدفهم النفوذ الأقوى والاكبر.
عملياً: اقلية يهودية تملك قوة التأثير الأكبر في العالم، رغم أنها اقلية سكانية واقلية دينية وسياسية واقتصادية، مقابل أغلبية عربية، ربما لا تملك خمسة في المئة من حجم هذا التأثير اليهودي، ولا يتوقف موضوع العرب عند قلة التأثير، بل إن تأثيرهم على قلته، يتراجع بواسطة الحروب الأهلية والأزمات الأقتصادية والأجتماعية، بمعنى ان العالم العربي بدأ يفقد حتى تأثيره المحدود تحت ضغط مشكلاته الداخلية، مشكلات الدولة الواحدة أو مشكلات المنطقة، وكلاهما يتأثر ببعضه بعضا.
ان تمتع الأقلية اليهودية بقوة التأثير الأكبر في العالم هو فاصل ذكاء مهم للعالم العربي، لأن هذه القوة هي نقطة القوة الداخلية الأكبر لليهودية السياسية واليهودية الدينية، وبالتالي أي عمل يؤدي الى التقليل من هذه قوة التأثير هذه، هي نقطة قوة للعرب.
في الوضع العربي الحالي لا يمكن الرهان على تحقيق هذا المستوى من العمل، اي تقليل قوة تأثير اليهودية السياسية في العالم، بل المتوقع هو أن تزداد هذه القوة رغم أن ديبلوماسية فريق الرئيس الفلسطيني محمود عباس حققت مكاسب معنوية مهمة للفلسطينيين في الفترات الأخيرة، من دون أن يعني ذلك ان قوة
تأثير اليهودية السياسية قد تأثرت سلباً بأنجاز هذه المكاسب.
أما بالنسبة للدول العربية، فالمعلومات تشير الى أن بعض المسؤولين العرب يتفادى تماماً الحديث ضد اليهودية السياسية وبعضهم قد يتحدث بصوت خافت جداً كي يحتفظ بخط الرجعة ويغير كلامه اذا ظهرت ردة فعل غاضبة من الطرف الأخر.
في مسألة الرأي العام، هناك نقطتا قوة لليهودية السياسية:
الاولى: مهارة الدولة السياسية العربية على تغيير مواقف الرأي العام السياسي الدولي من اليهودية السياسية، خجولة للغاية لأسباب في مقدمها، هذه الدولة العربية لا تفكر بمحاربة نفوذ الأقلية اليهودية في العالم أو لا تريد، كما أن مؤسسات الفكر السياسي العربي منشغلة بأمور أخرى.
الثاني: في موضوع قدرات ومهارات العمل في نظام القيم ولغة القيم، الأقلية اليهودية تفوق العالم العربي في بحوث القيم، وفي تطبيقاتها، وفي الرموز المستعملة في ذلك في حين أن الشغل بنظام القيم في العالم العربي يعتمد على وجهة نظر مزاجية، أو مقالة لسياسي متحيز، أو خطبة دينية صاخبة تتوهم بأنها ستغير العالم، وليس فقط ستغير نظرة العالم الى اليهودية السياسية المعتدية.

اعلامي وباحث منهجي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

أربعة + تسعة =