نقد مجلس الفضل الأعلى لمخاصمة القضاء (2 من 2)

زيد الجلوي

في هذه المقالة نستكمل ما بدأناه في المقالة الأولى، متطرقين إلى قانونية المقترح، بتفصيلية أكبر وأوسع. بتعرف خريطة المقترح ونقد ما اعتراه من عيوب.
المقترح المؤلف من أحد عشر فصلا، خلا الفصل الأول منه الخاص بالتعريفات، من الإحاطة بكل التعريفات التي يحتاج لها أي قانون. حيث ورد فيه اصطلاح المجلس الأعلى للقضاء، ورئيسه، وعضو المجلس، ولجنة المجلس، والسلطة القضائية. إلا أنه غفل عن صفتهم في المادة الثانية من الفصل الثاني – تشكيل مجلس مخاصمة القضاء- ما إذا كانوا قضاة، أم لا. فلم يعرف الفصل الأول من مقترحه، ما إذا كانوا قضاة، ومن هو القاضي؟! فقط «السلطة القضائية مفهوم يندرج في معناه القاضي…إلخ»، في الوقت الذي يورد بالمادة الثالثة من الفصل الثاني، الخاص بتشكيل مجلس مخاصمة القضاء، البند الأول أن يكون من « رجال السلطة القضائية بشرط أن يكون متقاعدا…»، أي فاقدا لصفته القضائية، بمعنى أنه لم يعد قاضيا، بعد استقالته أو تقاعده، فكيف يكون أو يسمى المقترح، أن يكون قاضيا، وقس على ذلك بقية من يمكن تشكيل مجلس الفضل منهم.
بالإضافة إلى أن مفهوم السلطة القضائية، الذي أورده في مقترحه، لم يفرق بين مفهوم السلطة القضائية الدستورية، الوارد ذكرها في الدستور؟! وزيادة في التناقض في الصياغة والفكرة، نجد المقترح وعند تعريفه للسلطة القضائية بالفصل الأول، المخصص للتعريفات يشترط « أن يكونوا على رأس عملهم متمتعين بصفتهم الوظيفية»، وفي الوقت ذاته وفي المادة الثالثة تحديدا، يوجب أن يكونوا مستقيلين أو متقاعدين من وظائفهم بفترة، حددها بأن لا تقل عن خمس سنوات.
وفي سياق نقد القصور في التعريفات، فلم يعرف اللجنة الدائمة، ومسمى أعضاء المجلس، وماذا يمكن تسميتهم؟ وكذلك ترتيب درجات التقاضي، وتحديد قضاة كل درجة، وخلوه من تعريف عضو التحقيق، المكلف التحقيق مع القضاة، وكذلك من هي جهة الادعاء أمام المجلس ضد القاضي، المطلوب محاكمته. استنادا لنص المادة 36 منه، ونصها بأن « ترفع الدعوى الجزائية والتأديبية بصحيفة لدى إدارة كتاب المجلس تشتمل على التهمة والأدلة المؤيدة…»، من دون تحديد من يرفع الدعوى، لأن إقامة الدعاوى ليس رفعها، وهو ما لم يستجل بيانه، فالرفع تقوم به جهة الادعاء الخصم النزيه، الذي يمثل المجتمع. بينما الإقامة فهي التي يتوجه فيها المدعي للادعاء المدني، ونحن نقرأ تطرقه لمحقق بالوقائع، من دون تجسير الفجوة للأفهام، كي تفهم على المقترح بطريقة أفضل.
أما بشأن المدد التي حددها بخمس سنوات، بعد التقاعد يصعب تحققها، لأن القضاة لن يتقاعدوا قبل موعدهم، وبالتالي خلو المجلس المقترح منه. ما يعني فتح الباب لمحققي الداخلية للاستقالة، وانحصار الترشيح بهم، هم وقلة من المحامين، الذين لم يحدد من يقوم بترشيحهم، فلم يرد سوى صدور مرسوم بهم، بناء على ترشيح الديوان الأميري. إلا من انتظار صدور اللائحة الخاصة بهم، بعد صدور المقترح بقانون، وفقا للمادة 65 خلال ستة أشهر.
أما بشأن الملاحظات على الفصل الثاني، بأن ينشأ المجلس مرتبطا بالديوان الأميري، متمتعا بالاستقلال المالي والإداري، وياليت النائب أحمد الفضل طالب بهذا المطلب للسلطة القضائية الدستورية، إضافة « عدد كاف من قوة رجال الشرطة تأتمر بأمر رئيس المجلس …» إلى آخر ما جاء بنص الماد 23 من مقترح القانون، وهي مطالبات كتبنا معبرين عن رأي الشعب، بأن يكون التنفيذ الجنائي والمدني جميعه لرئيس السلطة القضائية، حتى لا نجد أحكاما منذ العام 2013، وربما أكثر يئس أصحابها من تنفيذها، بسبب قلة أعداد الموظفين والموظفات، المخصصين لتنفيذ أحكام القضاة.
أما بشأن الفصل الثالث الخاص بالاختصاصات التي يمارسها المجلس، نجد أن المقترح استثنى الأحكام الصادرة من القضاء، بنص المادة 10 الفقرة الرابعة، من الشكاوى التي يقدمها المتضررون، بنصها بأن « يستثنى من ذلك الأحكام الصادرة من القضاء»، بينما أن من أختصاصاته إلغاء القرارات القضائية فقط. بينما نجد أنه وفي البند 16 من المادة 10 من الفصل الثالث، اختصاصات المجلس يمنح المجلس نظر دعوى المدعي «بشأن صدور حكم منعدم أو باطل من عضو السلطة القضائية» مناقضا نصوص مقترحه، بعودته إلى إدراج الأحكام القضائية، ضمن اختصاصات مجلسه، بعدما قام باستبعادها مجردا السلطة القضائية من أهم اختصاصاتها، وهي ولاية إصدار الأحكام، وهي أما إدانة أو إلغاء أو بطلان أو انعدام، أو بالتعويض. إدانة بالجزائي، وإلغاء بالمشروعية، وتعويض بالمسؤولية عن الخطأ، وحتى الضرر من دون خطأ بحق الغير، وإلغاء بالإداري، وانعدام لفقدان السبب الواقعي والقانوني، والبطلان النسبي أو المطلق للأسباب المفصلة بمجلة القضاء والقانون.
أما بشأن الملاحظات على الفصل الرابع، فقد تناول فيه المسائل التنظيمية الداخلية للمجلس. منتقلين بهذه الفقرة لملاحظات الفصل الخامس، والمخصص لإدارات المجلس ولجانه، الذي أطلق العنان له، بـ « جواز إنشاء أي إدارة يستلزم العمل إنشائها»، وهو ما سيؤدي إلى تمدد هيكلي لا متناه، وتعارض مع اختصاص مجلس الخدمة المدنية، بشأن احتكاره حق كل ما يتعلق بالمرتبات، والهياكل التنظيمية، و حق تفسير نصوص قانون الخدمة المدنية دون غيره.
متجاوزين الفصلين السادس والسابع لتعلقهما بداخلية المجلس المقترح إلى الفصل السابع، الذي أظهر ضعفا إضافيا في مبنى ومعنى القواعد، المـتألف منها المقترح بقوله في المادة 34 «بأن الدعوى … تقام على شخصه وصفته»، وهو خطأ شائع للأسف لدى البعض من القانونيين، لأن شخصه أما طبيعي، يعنى بتوضيح أفضل يغرم من ماله الشخصي، أو بشخصه المعنوي وتتحمل السلطة القضائية المسؤولية عن أعمال تابعيها. وهو طرح سبق لوالده الراحل نبيل الفضل (رحمه الله)، أن تطرق له لكن على موظفي الدولة، إلا أن الابن قد تجاوزه إلى القضاة. وخشيته من سمو زمالتهم على اعتبارات العدل، متى ما كان أحدهم خصيما أمامه في محاكمة تأديبية، وقد غاب عن الفضل الابن، أن المحاكمات التأديبية للقضاة، غالبا ما تكون أمام قضاة يكبرونهم سنا، ولا توجد علاقة بينهم وبين الكثير من القضاة، إضافة إلى أن الثقة يفترض، أن تكون موجودة أسوة بتعامل النواب بالبرلمان، إذ لا سلطان عليهم في أعمالهم. فهل نأتي ونقول ما قال به الفضل في مقترحه.
أما ما كان بشأن الفصل الثامن، فهو وإن أشار إلى حصريته للمخالفات والجرائم التأديبية، دون تمييز بين مصطلح المخالفات والجرائم. فإننا لا نجد حصرية أو وضوحا كافيا، مثال المخالفة الثالثة من المادة 49، بنصه على « إذا ارتكب أي عمل أو أبدى أي قول لا يتفقان وكرامة القضاء واستقلاله أو كرامة وظيفته». كذلك ما أورده في الفقرة الخامسة من المادة ذاتها، بنصه على « إذا أبدى رأيا سياسيا …»، وهي مخالفة يمكن إدراجها ضمن المخالفة 3، لتحقيق المراد من الحصرية. كذلك المخالفتان 8 و 9، قاضيا على نظام رد القضاة نهائيا، معتبرا إياها مخالفات تستوجب التأديب، وهي وإن كنا نتفق معه في هذه الجزئية، إلا أن مخاصمتهم أمام مجلس تابع للسلطة التنفيذية، أمر مرفوض كليا.
أما الفصل الحادي عشر فإن أبرز تناقضات المقترح، حلف اليمين على احترام عضو مجلس المخاصمة على احترام الدستور، وكأن المقترح خاليا من كل شائبة دستورية، وهو وعلى مسؤوليتي ككاتب، وبأول طعن على دستورية، لن يصمد طويلا لكونه قائما على مخالفة الدستور.
منتقدا مسمى المقترح بمخاصمة القضاء، وهو مسمى لم يقل به أحد من قبل، لا قضاء ولا فقه. فالمعروف هو مخاصمة القضاة، إلا أن المسمى لا نتوقع، أنه جاء نتيجة خطأ، فهو بالفعل مخاصمة القضاء كسلطة من أكبرها، وإلى أصغرها، بل هي مخاصمة شعب بأكمله.

كاتب كويتي
[email protected]

Print Friendly