نواب الابتزاز وحكومات الخوف… أساس البلاء

هل من الديمقراطية في شيء أن ينسحب 11 نائبا من جلسة مجلس الأمة التي أقسم فيها مجلس الوزراء الجديد اليمين الدستورية؟ أليس في هذا خروج على الأسس الديمقراطية، وإعلان عدم القبول بحكم مؤسسات صحيح؟
في ديمقراطيات العالم قاطبة لا يمكن لأي حكومة جديدة ممارسة عملها من دون قسم اليمين الدستورية، وأيضا لا يحدث ما حدث في جلسة أمس في أي ديمقراطية صحيحة، الا في الكويت الخارجة فيها الممارسة النيابية عن كل الأعراف والقواعد المعمول بها في الدول كافة، لأن لدينا فهما نيابيا اساسه تبييت النية في ابتزاز السلطة التنفيذية، وهو ما تجلى بوضوح في جلسة القسم، رغم أن الحكومة الجديدة لم تمارس عملها بعد ليحكم السادة النواب عليها, فكيف يقاطع هؤلاء جلسة القسم التي هي اجراء دستوري بحت، إلا إذا كانوا يسعون منذ البداية إلى إرهابها؟!
النواب المنسحبون أرادوا فرض إلغاء الحكومة أحكام القضاء الصادرة على عدد من الخارجين على القانون، أي بمعنى أوضح أن تصادر السلطة التنفيذية استقلال القضاء، ضاربين عرض الحائط بالفصل بين السلطات، وهي جريمة خطيرة جدا تعني بداهة إما عدم فهم لصلاحيات كل مؤسسة، وإما دفع الحكومة عنوة إلى تقويض نظام الحكم عبر الخضوع لإملاءات نيابية غير قانونية وفاقدة لأي معنى دستوري.
هذه الجرأة في الدفع إلى التداخل بين صلاحيات المؤسسات اساسه أخطاء وقعت فيها الحكومات السابقة التي كانت ترتعد خوفا من سؤال، ويتفكك تضامنها عند التلويح باستجواب، وتسارع إلى الاستقالة درءا لمساءلة تدرك أن محاورها غير دستورية، وكانت نتيجته تعطيل جملة من القوانين، ومنع مجلس الأمة طوال العقود الماضية من إقرار اتفاقيات إقليمية ودولية لمجرد انها تحد من خروج النواب الحزبيين على القانون في ما يتعلق بالدول الشقيقة والصديقة، مثل شتم قادتها والتعدي على رموزها، وفي مقدمة ذلك رفضهم الاتفاقية الأمنية الخليجية.
بسبب هذا الضعف الحكومي توقفت مشاريع، وتعطلت مؤسسات، ووصل العبث بالمال العام إلى درجة مريعة من النهب الممنهج عبر نواب يستبيحون كل المحرمات الدستورية والقانونية في سبيل صوت هنا او مفتاح انتخابي هناك، ولم يكتف بفرض الاملاءات على الحكومة، بل بلغ الزحف حدود القضاء بالتهويل والترهيب، غير ان هذه القلعة ردت بنزاهتها واستقلالها وحزمها الهجمة تلو الأخرى عليها.
للأسف, ان المسيرة الديمقراطية الكويتية مازالت تتعثر منذ نحو 56 عاما جراء الفهم الخاطئ لدور النائب الذي عليه أن يكون قدوة في تطبيق القانون ورقيبا ومشرعا، لا يمارس الابتزاز مهما كانت الظروف، ولا يجعل من منصبه أداة لإسقاط هذا الوزير إذا لم تنفذ مطالبه، متسلحا بأراجيف وأكاذيب ومحميا بدعم تياره السياسي الذي يضع اجندة خاصة به لا تتوافق مطلقا مع المصلحة الوطنية.
لاحظنا ذلك منذ بدأت الحكومات الأخيرة فرض القانون على الجميع، خصوصا في ما يتعلق بالجنسيات، ورأينا العاصفة التي هبت، ووصل الأمر بنواب إلى حد محاولة الخروج على المؤسسات، وازداد الامر خطورة حين صدرت الاحكام على مقتحمي مجلس الأمة بسبب ارتكابهم جريمة امن دولة، فرفع نواب الابتزاز حرابهم في مواجهة الحكومة، بل بوجه الغالبية الشعبية، جاعلين من أنفسهم سلطة عليا فوق السلطات والقوانين، وكأنهم يميزون أنفسهم عن بقية الكويتيين.
اليوم هو يوم آخر, او هكذا يجب ان يكون، فالحكومة الجديدة خالية من المحاصصة الحزبية، لديها قوة المواجهة ضمن الأطر الدستورية ومتحررة من القيود التي تجعلها تخضع للابتزاز، وبالتالي عليها العمل وفق برنامجها، لا أن تراضي هذا النائب أو ذاك، إضافة إلى أن الوقت حان كي تفضح أسباب هذه الحملات النيابية ومن يقف خلفها ويؤججها كي لا يتمادى هؤلاء في أعمالهم المنافية للديمقراطية ولمفهوم عمل المؤسسات، لأن التهاون في مواجهة هذا النوع من الابتزاز بداية خراب الدول.
يبقى القول أن تعطى الحكومة الوقت الكافي لممارسة عملها، وبعدها يتم الحكم عليها، أما إذا استمرت الألاعيب والاراجيف النيابية، فليكن الحل بحل مجلس الأمة كي ترتاح الكويت من المخربين تحت عنوان الديمقراطية.

أحمد الجارالله