نواب المراهقة السياسية ودرس العام 1986

0 236

أحمد عبد العزيز الجارالله

لا شك أن ما يجري في الكويت حاليا غير صحي على مستويات عدة، فبدلاً من أن يلتفت مجلس الأمة، مثلا، إلى تطوير القوانين التي عفى عليها الزمن وتعديلها والتزام العمل الرقابي الصحيح، نراه يغرق في دوامة الاستجوابات العبثية التي تعطل كل مؤسسات الدولة، وتجعل الحياة السياسية جحيما، إذ يبدو أن بعض النواب لم يفهم بعد الرسائل الأميرية السامية التي تضمنتها خطب صاحب السمو في السنوات الأخيرة لجهة التمسك بالديمقراطية، فيما يرى هذا البعض أن الديمقراطية تعني الابتزاز السياسي، أو يسعى بكل قوته إلى استدراج حل مجلس الأمة لحاجة في نفس يعقوب.
وللأسف، فإن الكويتيين لم يستفيدوا من تجاربهم السابقة، خصوصا الوضع الذي ساد في عام 1986، داخليا وإقليميا، إذ رغم الحرب العراقية- الإيرانية، وما سمي حرب الناقلات وتأثيراتها المباشرة على الكويت، كثرت يومذاك الاستجوابات العبثية، ما دفع بأمير البلاد الشيخ جابر الأحمد، رحمه الله، الى تعليق العمل ببعض مواد الدستور، وحل مجلس الامة حلا غير دستوري، وأذكر أن الأمير حمَّل رئيس مجلس الأمة أحمد السعدون رسالة الى النواب، مفادها أن يتحلوا بالمسؤولية الوطنية، ويتخلوا عن العبث، غير أن السعدون لم ينقل الرسالة كما هي إلى مكتب المجلس، فصدر الأمر الأميري بالحل، وكان العنوان أن ذلك من أجل التأمل.
في تلك الفترة عرف الكويتيون ما سمي دواوين الاثنين التي كان الهدف منها المطالبة بعودة عمل البرلمان، تماما كما هي الحال في عام 2011 حين رأى البعض قدرته على تطويع الدولة لمآربه السياسية، وتقويض النظام السياسي، ودفع إلى تظاهرات تحت عنوان “الربيع العربي”، وتطاول على القضاء، إضافة إلى اقتحام مجلس الأمة في مغامرة غير مسبوقة وتحد مرفوض، ورغم ذلك لم تتخذ الدولة أي إجراء خارج إطار القانون والدستور، بل خضع الذين تمردوا على القانون لمحاكمات عادلة استمرت سبع سنوات حتى نالوا عقابهم، بما يتناسب مع حجم الجرم.
يومها قال صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد إن الكويت كادت تضيع، بل ضاعت، وذلك في لقائه مع وجهاء الكويت، وجاء العلاج عبر مرسوم الصوت الواحد الذي صحح التمثيل الشعبي من جهة، وكبح جماح المغامرين المنساقين خلف الشعارات البراقة التي أُحِرقت بسببها بعض الدول العربية.
في عام 1986 قوبل تعليق العمل بالدستور باستحسان شعبي، بسبب سوء الممارسة البرلمانية، واليوم هناك شريحة كبيرة من الكويتيين ترى في الممارسة النيابية هدما للديمقراطية وتقويضا للعمل البرلماني الذي حاد عن مساره الطبيعي، ولهذا فإن الرسالة التي نقلها رئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم عن صاحب السمو الأمير بأن الرهان على العقلاء في المجلس، ودعوته النواب إلى التصدي للتعسف في استخدام الأدوات الرقابية، تعيد إلى الذاكرة المشهد الذي ساد قبل 32 سنة، حينما تخلى النواب عن عملهم الدستوري الطبيعي، واستهانوا بالمسؤولية الوطنية، وها هي الصورة تتكرر، حيث نرى النواب يصرون على إقرار قوانين تصطدم مع المصلحة العليا للبلاد ويلجأون الى الاستجوابات العبثية المعطلة لعمل الحكومة خصوصا تلك التي تستهدف سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ جابر المبارك، والتي وصل عددها إلى ستة، وهي بمجملها مخالفة للنص الدستوري، وإن دلت على شيء فعلى مراهقة سياسية لا تليق بالكويت، وبتاريخها الديمقراطي وصورتها أمام القريب والبعيد.

You might also like