نواب محاكمة النوايا يُعطِّلون التشريع

0 232

أحمد عبد العزيز الجارالله

عندما انتُخب مجلس الأمة الحالي كنا على وشك أن نصدق أن النواب سوف يشمرون عن سواعدهم ليبدأوا العمل على تحديث القوانين، والانتقال بالكويت إلى مرحلة أفضل مما هي عليه اليوم، بعدما غرقت في التخبط السياسي طوال السنوات الماضية.
أملنا خاب عند أول محطة حين عاد النواب إلى عادتهم القديمة في إهدار الوقت بالأسئلة والاستجوابات، وإشغال الحكومة والكويتيين بذلك، ولهذا فإن السؤال الذي يشغل الجميع اليوم هو: ماذا استفاد الشعب من استجواب وزير التجارة؟ وهل قدَّم المستجوبون ما يُحسِّن بيئة الأعمال في الكويت، أو مشاريع قوانين تزيد من مرونة الاقتصاد الوطني المنكمش بفضل المماحكات السياسية؟
كل ما ورد في محاور الاستجواب كان يمكن تفاديه لو كانت العزيمة للتشريع موجودة، لكن لأن خلف أكمة المصالح الانتخابية ما وراءها منعت الكويت من تحديث قوانينها.
نقول منعت لأن كل ما حولنا يوحي بذلك، وكأن المطلوب زيادة تكبيل مؤسسات الدولة بالقيود، بسبب قلة من المنتفعين لا يريدون لغيرهم أن يعمل، وعلى هذا الأساس تنقلت خيارات الاستجوابات العشوائية بين أكثر من وزير، مرورا بسمو رئيس مجلس الوزراء، حتى استقرت أخيراً عند خالد الروضان، وجعلوا من السهو في رفع اسمه من قائمة المساهمين بإحدى الشركات الطامة الكبرى، بينما ترك النواب الأفاضل مسألة تنظيم السوق العقارية على غارب الصدف، رغم أن جرس الإنذار في هذا الشأن يقرع منذ سنوات، وبعضهم نائب من فصول تشريعية سابقة، لكنه لم يكلف نفسه عناء البحث في ضوابط تشريعية لهذه المسألة.
بدلاً من التفرغ لإصلاح الإدارة وضبط الأداء، والسعي إلى توسيع القاعدة التجارية والصناعية في البلاد، عمدت مجموعة من النواب الى تسويف الوقت، بحجج واهية، لا تخدم البلاد أبداً، كما أنهم إذا رأوا أحد الوزراء يعمل ضمن القانون ولا يحابي هذا أو ذاك انبروا للتصدي له، ومنعه من المس بمحاسيبهم، أو ما يهدد منظومة الفساد التي يرفعون شعار محاربتها والقضاء عليها، فيما هم يعملون على ترسيخها في واحدة من أكثر الحالات غرابة بتاريخ العمل البرلماني في العالم.
لقد صرف مجلس الأمة، ومعه الحكومة، نحو شهر أو اكثر في مسألة استجواب وزير التجارة، وقبله كانت هناك سلسلة من التلويحات بجر فلان أو علان إلى المنصة، فيما تركت القوانين تزداد هرما وشيخوخة وعدم انسجام مع التطورات، وعزل الكويت عن محيطها والعالم، في وقت يتفاخر بعض النواب بخطبهم الرنانة وكأني بهم قادة حرب، وليسوا من هذا الشعب الذي حاصروه بالهدر والمماطلة والمحسوبيات حتى كاد يكفر بالديمقراطية.
بدلا من هذا كله، لماذا لا ينظر السادة النواب في قوانين عصرية تنهي أزمة بطالة خريجين أنهوا دراساتهم ولا يجيدون أي عمل، فيما أقصى حلمهم أن يتوظفوا في مؤسسات الدولة الرسمية، أي ينتقلون من البطالة الحقيقية إلى البطالة المقنعة، كي يزداد هدر المال العام، بدلا من تشجيعهم على العمل في مجالات أخرى؟
نعم، ماذا قدَّم النائبان الكريمان للشعب الكويتي في هذا الاستجواب، ألم يكن ممكنا أن يعملا على اقتراح تشريعات تخدم البلاد ويستفيد منها الكويتيون، أم أن ليس لديهم إلا الاستجواب حتى لو كان على النوايا؟
طالما وصلنا إلى هذه الحال، فذلك يعني أن الكويت لن تشهد تقدما وتطورا ما لم يتم الخروج من نفق الصراعات على المصالح الخاصة إلى باحة العمل والتنافس على خدمة البلاد كي تعود درة الخليج.

You might also like