نواب يستدرجون “الحل”

حسنا فعل 39 نائباً بموافقتهم على مناقشة ما سمي “الايداعات” لفقء الدمل. فرغم عرض الملف على النيابة العامة قبل نحو أربع سنوات، وختم التحقيق فيه اعاد بعض النواب إثارة القضية في جلسة عامة ضاربين عرض الحائط بالدستور والقانون والسرية المصرفية، لتنتهي الجلسة، كما في تحقيقات النيابة العامة الى لا شيء، أو كما يقال في العامية “تيش بريش”.
ما جرى أمس حمل في طياته إشارات سلبية كبيرة بشأن سعي نيابي الى إضعاف سلطات التحقيق الرسمية، وتعرية الجهاز المصرفي من أهم عوامل قوته، أعني السرية المحمية بقوة الدستور والقانون، كما أنها تفتح الابواب على جعل حسابات المواطنين في مهب أهواء الانتقام والشخصانية، فيما الثابت قانونيا في كل العالم، وليس في الكويت فقط، ان الكشف عن حساب مصرفي لأي شخص لا يكون إلا بأمر من القضاء إذا كانت هناك جريمة، أما في هذا الملف الذي لا يزال يغري بعض النواب بامكانية الانتقام و”بلاغة الشف” لدغدغة مشاعر الناس فقد رأينا جريمة ضد النيابة العامة خصوصا، والقضاء عموما، لا يمكن القبول بها، لأن هؤلاء النواب حين استعرضوا بخفة اسماء نواب وأرقام حسابات، قالوا مباشرة إنهم لا يثقون بما توصلت إليه النيابة العامة في تحقيقاتها.
لم يكشف هؤلاء عن الدافع الحقيقي وراء ما أقدموا عليه، فهل هو تأكدهم من أن مصدر المال يحمل صفة جرمية، أكان شبهة غسل ونشر وتنشيف وكي أموال، أم أنهم يشتبهون بجهات خارجية كإسرائيل مثلا أو غيرها وراء هذه الرشرشة؟!
أولم يكن لدى هؤلاء النواب الذين مارس عليهم زملاء لهم عرض عضلات سخيفا حسابات مصرفية أو عقارات هنا وهناك، قبل توليهم النيابة، الأمر الاخر الذي غاب عن بال المستعرضين هو هل يقبلون الكشف عن حساباتهم المصرفية وسؤالهم من اين لك هذا في حال أثار احد النواب قضية مماثلة او تسربت إليه وثائق مصرفية عن حساباتهم مستقبلا؟
ان دفع المجلس الى هذا الحيز الضيق وإهدار وقته في مسرحيات يعني أول ما يعني تنحية قضايا المواطنين الحياتية الملحة جانبا، ويعني أيضا ان أولويات النواب مختلفة تماما عن اهتمامات ناخبيهم، إضافة إلى أن إضعاف النيابة العامة وتصويرها أنها غير أهل للثقة يهدم ركنا أساسيا من أركان الدولة ويخالف المادة 167 من الدستور.
للأسف هذا الهدم يمارسه بعض النواب عن سابق تصور وتصميم، وهو كما يبدو من جملة ملفات وقضايا أثيرت في الاسابيع الاخيرة مخطط دبر بليل ينفذ لغاية في نفوس نواب يدركون جيدا عدم القدرة على تلبية تلك الحاجة بأجواء نيابية صحية ولذلك يعمدون إلى اشغال البلاد بأزمات مفتعلة، لتحقيق مآربهم، أضف إلى ذلك ان ما تركه الاستعراض المسرحي الهزلي في المجلس دل على فجور في الخصومة لا يليق لا بمن يفترض انهم يمثلون الشعب، ولا بالسلطة التشريعية المؤتمنة على مصير الوطن.
المتعارف عليه ان ممثلي الأمة يكونون عادة قدوة في الالتزام بالقانون، وأكثر الناس حرصا على ممارسة كل مؤسسة دورها من دون تضارب او تدخل من مؤسسة بأخرى، لكن يبدو ان ما لدينا غير ذلك تماما، وهذا يدل على جهل شبه مطلق بالدستور يتسبب بتجمع غيوم سوداء في سماء المجلس تزعزع اركانه، وتضع مصيره على كف الحل طالما ان هناك نوابا أفلسوا سياسيا.

أحمد الجارالله

Leave A Reply

Your email address will not be published.