هابيل وقابيل .. صراع إلى يوم الدين حضارات بائدة في آيات خالدة

0 181

إعداد – نورة حافظ:

على مر الأزمنة، تأتي حضارات وتنتهي، لتحل محلها حضارات أخرى، وكم من حضارات زالت ولم يعد لها وجود، وزالت معها اسماؤها وشعوبها، وقد تناول القرآن بعض هذه الحضارات ولولاه لما عرف الكثيرون عنها شيئا، يقول تبارك وتعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) [القصص 58]. وفي هذه الحلقات اليومية تتناول ” السياسة ” قصص هذه الحضارات والشعوب التي ذكرها القرآن في آياته الخالدة.

قال تعالى ” وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ “. “المائدة(28،27)
تتعدد الحضارات وتختلف العصور ، لكن حب الاعتداء على الغير يظل إحدى سمات النفس الانسانية منذ خلق الله البشرية وحتى قيام الساعة، يؤكد ذلك ما جاء في قصة ولدي آدم قابيل وهابيل كما وردت في القرآن الكريم، وأن القصاص هو الحل لتهذيب لهذه الطبيعة.
هبط آدم -عليه السلام- أبو البشر وزوجه حواء على الأرض بأمر من الله،وبدأ نسل آدم فكان ميلاد كل من قابيل وهابيل ،تقرب كل منهما بقربان إلى الله، فأما هابيل وكان عمله رعي الأغنام فكان قربانه من أحسن ما يملك ولم يبخل ، وأما قابيل وكان يزرع الأرض فقد قدم قربانا من أسوأ ما يملك وأردئه، فتقبل الله من هابيل لإخلاصه وإحسانه ولم يتقبل من قابيل لسوء أدبه مع الله وعدم إخلاصه.
سنحت الفرصة للشيطان المتربص بنسل آدم فأغرى قابيل بأخيه وزين له كراهيته والانتقام منه، فطفق قلب قابيل يملؤه الحقد على أخيه وجهر له بالعداء بل توعده بالقتل ، فرد عليه هابيل الراسخ الإيمان والتسليم لله والذى عجز الشيطان عن إغوائه قائلا: “إن الله لا يتقبل العمل إلا من الأتقياء المخلصين فى تقربهم، واستمر يحذر أخاه من إغواء الشيطان له كما ضلل من قبل أبوهما آدم -عليه السلام- وأنه لن يمد يده بالسوء لأخيه حتى وإن مد يده ليقتله لأنه يخاف عذاب ربه ورب العالمين و قال له : “إنى لن أقاومك حتى تقتلني ، لتحمل ذنب قتلك لي ، مع ذنبك فى عدم إخلاصك لله من قبل وبذلك تستحق أن تكون فى الآخرة من أهل النار وذلك جزاء عادل من الله لكل ظالم”. قال تعالى”إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ “المائدة(29).
لم تزد كلمات هابيل أخاه قابيل سوى حنق وغضب وعقد للعزم ،فسهلت له نفسه أن يخالف الفطرة وأن يقتل أخاه ، فانتهز من أخيه فرصة وغدره فرفع حجرا ثقيلا وهوى به على رأسه فأرداه قتيلا ، فصار أول قاتل على وجه الأرض فكان من الخاسرين لإيمانه ولأخيه الذى هو رحمه .
أفاق قابيل من غفلته وسطوة الغضب فوجد نفسه قاتلا فأصابته الحسرة والندم ، يبكى بجوار جثة أخيه ولا يدرى ما يصنع بها فعلم عجزه ومحدودية قدرته ، فأرسل الله إليه غرابا ينبش التراب لعمل حفرة ووجده يدفن غرابا ميتا فى هذه الحفرة ، ثم يهيل عليه التراب لتستوى الأرض من جديد ، فتعلم القاتل كيف يستر جثة أخيه، فلا يتركه لتأكله الجوارح فيسيء ثانيا كما أساء سلفا كثيرا.
شعر قابيل بوبال ما ارتكب وقال عاجزا متحسرا: “يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي”المائدة31 . هام القاتل على وجه نادما محسورا بعد أن سلم قلبه وعقله لوساوس الشيطان عدو آدم وولده ونسله، فماذا كسب ؟ ومن عاصمه من عقاب الله بعد اعتدائه وقد ارتبطت جريمة قتل أول إنسان باسمه ولم يكن هذا الإنسان سوى أخيه من رحمه ودمه. من أجل هذا الطغيان وحب الاعتداء فى بعض النفوس وما فيه من اعتداء على المجتمع أوجب الله قتل المعتدي قصاصا واستقرارا للعدل ، ” من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا “المائدة(32).

You might also like