هدى بركات توثِّق معاناة المعذَّبين في “بريد الليل” الرواية صدرت عن "دار الآداب" اللبنانية

0 124

كتب- جمال بخيت:

تمثل الرسائل الخمس التي احتوتها رواية “بريد الليل” الجانب الانساني العميق الذي منح الرواية الافضلية والتفوق لحصد البوكر العربية،ومع أختيارها لهذا الاسم الاسقاطي “الليل “ومايحتويه من رمزية نفسية يركن اليها الانسان ويعيش المعظم حول هذا الاسم عالما خاصا ملؤه الاحلام أو التذكر أو العودة الى الماضي،ووسط هذه المفردات ترتكز الكاتبة على عنصر السيكولوجية الداخلية للانسان ومايحويه هذا الكنز العميق من اسرار وحكايات الهمت الجانب الفني في عرض خاصية السرد الذي منح لغة التفوق واحراز نقاط النجاح والاقناع السردي الملهم.
من نفس المنطلق تقريبًا تمنح الروائية اللبنانية هدى بركات عنوان روايتها “بريد الليل” و تأخذ كل ما يوحي به الليل من خفاءٍ، وظلم، وظلامٍ، ومحاولاتٍ للتخفي وعدم القدرة على مواجهة الناس والحياة والمشكلات، من خلال رسائل لن ترى النور ولن يطلع عليها النهار.
“بريد الليل” صدرت لأوّل مرة في العام 2018 عن دار الآداب للنشر والتوزيع في بيروت. وحازت على الجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2019، وهي النسخة العربية لجائزة “بوكر” العالمية للرواية.
تقول الروائية هدي بركات عن روايتها:
“لغة “بريد الليل” مقتضبة ومباشرة وليس فيها تجميلات أسلوبيّة. وهي مكثّفة بطبيعتها. الهارب المطارد قصير النفَس ولا يملك الوقت للتدبيج… ربّما تكون الميزة هنا، في هذه الرواية هي شكل التناول. أي النزول إلى قعر الكلام، حتّى الكاذب المضاد لما نسمّيه البوح. كان المحو والتكثيف أهم ما اشتغلت عليه في “بريد الليل” وأصعب ما واجهني… من المؤلم أن ترمي بمقاطع تعتبرها جميلة لمصلحة النصّ المتماسك ككلّ.
وتضيف: “علي أيّ حال أنا لست من الكتّاب الذين يتنكّبون قول الحقائق باعتبار الرواية كشف واقعي. ملازمة الشخصية سرديا لا تفترض بالضرورة الكلام بـ”اسمها”، أو تمثيلها في الواقع. أعني كان من الممكن كتابة “بريد الليل” بأسلوب آخر، بتورية مختلفة وبـ”لغة رفيعة” على ما جاء في السؤال. في “ملكوت هذه الأرض” استعملت اللغتين بالتوازي، مثلا…”
من خلال خمس رسائل مختلفة، وعبر متتالية سردية متصلة منفصلة تعرفنا هدى بركات على شخصيات روايتها وعالمهم، وما عاشوا فيه من مآسٍ وما مر عليهم من مشكلات وآلام، ونحن إذ ذاك نتماس تمامًا مع حكاياتهم من خلال ذلك البوح الذي تبثه في رسائل تنحو ناحية الاعترافات التي يطلقها أصحابها في الساعات الأخيرة من الليل، أملاً في التخلص مما أرهقهم في أيامٍ سابقة، كل ذلك قبل أن تتغيّر مصائرهم ومصائر أصحابهم، بل وربما مصير ساعي البريد “البوسطجي” الذي لا نعلم ما إن كان سيوصل هذه الرسائل إلى أصحابها في النهاية أم سيتعثر هو الآخر في رسالته.
بمهارةٍ شديدة وبقدرة عالية على التكثيف واختزال اللحظات والحالات الإنسانية الدالة نتعرّف على شخصيات الرواية المجهولة حتى من أسمائها. نحن في البداية إزاء رسالة حب مكشوفة من رجلٍ إلى امرأة يحبها، وتبدو العلاقة بينهما ملتبسة. ثم في الرسالة الثانية امرأة تنتظر حبيبًا باعدت بينهم السنون. وفي الرسالة الثالثة ابن يحكي لأمه كيف تغيّر حاله بعد أن اعتقلوه، ويعترف لها بجرائمه. وهكذا، نحن في كل رسالة إزاء شخصيّة ظاهرة تحكي، وشخصيات أخرى تختبئ بين التفاصيل والسطور. في كل رسالة حالة خاصة، وعالم وتفاصيل خاصة بها تمامًا، بل وربما لغة مختلفة أيضًا، وطريقة في الحوار مع المخاطَب بالرسالة تختلف عن غيرها. فرسالة الابن لأمه تختلف عن الحبيب لحبيبته، وكذا رسالة الابن المنبوذ إلى أبيه، وفي كل رسالة منهم تحمل همومها الخاصة وتعكس قبح ذلك العالم الذي نحيا فيه وفي تفاصيله التي تشوّه الإنسانية وتتركها نهبًا للتشرّد والهزيمة والضياع . يلعب نموذج الراوي العامل الاساسي في ربوع العمل السردي بضمير الغائب ولكن حضور الوصف ومتعة القص كانتا احد النماذج الفنية التي منحت الرواية التفوق. قسّمت الكاتبة الرواية إلى ثلاثة أقسام، القسم الاول جاء بعنوان، “خلف النافذة”و تأتي فيه نصوص تلك الرسائل بشكلٍ مباشر، ثم نتعرّف على جوانب أخرى من علاقات شخصيات أصحاب هذه الرسائل ثم القسم الثاني من الرواية المعنون “في المطار”. وتأتي نهاية الرواية في القسم الثالث مع “موت البوسطجي” الذي يترك مصائر هذه الرسائل كلها معلقًا، فلا نعرف هل ستصل بالفعل إلى أصحابها أم أنها ستنتهي ربما بنهايته. في النهاية تترك “بريد الليل” في نفس القارئ أثرًا عميقًا، ليس فقط لمتعة السرد وانسيابيته، بل لمساحات الحزن العميق الذي يتسرّب عبر تلك الرسائل المرسلة التي تحكي عن أصحابها، فيما القارئ يعلم يقينًا أنها لن تصل، ومقدار ما عانى كل شخصٍ في الرواية فيها حتى يصل إلى بر أمانٍ لن يجده! هدى بركات روائيّة لبنانية، تعيش في فرنسا تهوي طريقة التعبير عن الموقف وتأتي بخاصية نموذج الحالة الانسانية والامساك بتلالبيب الحكاية النموذجية المليئة بالعاطفة والتي تسبح في كيانات الشخوص ابطالها وتعيش دائما حالة العاطفة العميقة لتصبح هي الباطن المعبر عنهم وسط خاصية التقمص مع النماذج البشرية من شخوص روايتها لتأتي بصفة الصدق وهذا مامنحها الفرصة لتكون روايتها عنوانا للحقيقة وان تمنح السر الجمالي لتكون هي رواية العام المعبرة عن قطاع أنساني عميق يروي ظمأ القارئ الباحث دائما عن نص يري فيه ذاته ومعاناة الآخر،لتكتمل الخريطة الانسانية في وجود رواية تستقبلها عيون القارئ العربي بشغف.

You might also like