هدى سلطان جمعت بين الرقة والدلع والأنوثة والشجن قدمت الأدوار الشعبية والأرستقراطية وبرعت في الرومانسية والوطنية

0 6

ست الحسن -2-4

* نجمة التحولات الفنية نافست هند رستم بـ”امرأة على الطريق”
* السنباطي تنبأ لها بمستقبل باهر وشاركها دويتو “حبيب قلبي”
* برعت في الموال ومختلف الألوان الغنائية بفضل صوتها الرخيم
* نموذج غير معتاد… نجحت بمجهودها ولم تستغل شهرة فوزي

القاهرة – سهير عبدالحميد:

“كوكتيل” من المواهب والإمكانات أهلها للانضمام إلى قائمة “الفنان الشامل”، الذي يجيد كل الأدوار والألوان من الغناء والرقص والتمثيل أمام كاميرا السينما والتلفزيون وعلى خشبة المسرح… كانت بعيدة دوماً عن “القالب” فهي لم تتقيد مطلقا بدور أو شكل. وكانت تجيد التمثيل بتعبيرات وجهها وإيماءات جسدها ونبرات صوتها، تلك هي هدى سلطان، سلطانة الدراما وكهرمانة السينما المصرية، التي قدمت في أدوارها الفتاة الحالمة، والمرأة طاغية الأنوثة، وبنت البلد الشقية خفيفة الظل، تلك الخفة التي تميزت بها في الواقع وبدت واضحة في كل لقاءاتها التلفزيونية وهي تتفاخر دوماً بأنها “بنت بلد”.
عندما سئلت في أحد البرامج إن كان ينطبق عليها مفهوم “الفنان الشامل” أكدت أنها تعتبر نفسها كذلك، لأنها تحب أن تلم بكل شيء في عالم الفن فقد بدأت العمل بالإذاعة ثم قامت بالتمثيل وعملت على خشبة المسرح، حتى إنها قامت بالرقص عندما تطلب دورها في مسرحية “وداد الغازية ” فقدمت رقص الغوازي كما ينبغي، وهو ما قدمته أيضا في فيلم “السيرك” أمام الفنان حسن يوسف، الذي كتبه صلاح حافظ وأخرجه عاطف سالم، وعرض سينمائيا لأول مرة عام 1968، حيث جسدت هدى دور الغجرية “راوية” التي تؤدي أغنيات الغوازي في “الموالد” قبل أن تنضم للغناء في السيرك، وفي هذا الفيلم أدت عدداً من المواويل والأغنيات الشعبية أثبتت عمق قدراتها الصوتية ومنها أغنية “تعالى وانت الغاوى تعالى، وأنا ارقصلك على الصاجات على الطبلة ودق السنباط، وتعالى”.
كانت هدى ترى أن التمثيل والغناء لا ينفصلان، فالمطرب يمثل الأغنية التي يشدو بها بنبرات الصوت وإيماءات الجسد، وكان الجمع بين أكثر من ملكة فنية التحدي الحقيقي في شخصية هدى سلطان كفنانة كما يراه الناقد الفني محمد فاروق: “أعتقد أن النجمة الراحلة هدي سلطان ضربت أهم وأشهر وأقوى نموذج في الوقوف ضد قوانين الطبيعة بكل ما قدمته من أغنيات وأفلام ومسلسلات وأعمال، قطعاً أي فنانة في مكانها كانت ستتأثر بدون تفكير بمسيرة أخيها النجم الكبير محمد فوزي.. التأثر بالصوت أو الأداء أو حتى الاختيارات وكان ذلك من حقها تماما مثلما تفعل كل العائلات الفنية، التي تستغل شهرة قائدها لاستنساخ موهبته. لكن سلطان تظل النموذج الفريد، الذي نجح بمجهوده وموهبته. بل على العكس هناك الكثيرين لا يعلمون صلة القرابة بينها وبين محمد فوزي إلا بعد الدخول على السيرة الذاتية للنجمة الكبيرة الراحلة”.
سلطان نجحت أيضا في تحدي موهبتها وتحركت في أوسع دوائر مهاراتها سواء في التمثيل أو الغناء فقدمت ما يصعب على أي نجمة غيرها تقديمه من أدوار تراوحت بين النعومة والأنوثة والقوة والسيطرة والجبروت والطيبة والأمومة والإخلاص والخيانة والدلع.. مزجت هذه الخلطة بالجودة نفسها والاقتدار ذاته، لتجعل اسمها رمزاً يعيش على مر الزمان وتتذكره جميع الأجيال. وهي نجمة التحولات الفنية بسبب قدرتها الفائقة على تقمص أدوارها لدرجة تدفعك للشك أنها تستطيع الدخول في دور مختلف بعده، ورغم ذلك يظل دورها في فيلم “امرأة على الطريق” من أكثر أعمالها إثارة للجدل خصوصا.

الخروج عن المألوف
كانت بداية هدى سينمائياً من خلال أفلامها الثلاث مع المنتج جبرائيل نحاس بموجب عقد الاحتكار الذي وقعه معها وهى أفلام “ست الحسن وحكم القوى وبيت الطاعة” ثم تخلصت من الأدوار المساعدة وانطلقت إلى أدوار البطولة من خلال الأعمال التي قدمتها مع زوجها فريد شوقي، وكانت أيضا بالنسبة له انطلاقة نحو البطولة المطلقة.
ورغم توهج هدى سلطان الفني مع فريد شوقي، أجمع النقاد أن فيلم “امرأة على الطريق” علامة فارقة في حياة هدى الفنية وأنه خرج بها عن الإطار التقليدي، الذي سبق لها تقديمه وجعلها في منافسة حقيقية مع نجمة الإغراء الأولى في مصر آنذاك هند رستم، التي يقال إنها حرصت على زيارة موقع تصوير الفيلم لتشاهد هدى بعد تسرب أخبار عن براعتها في أداء الإغراء الذي كان آنذاك علامة مسجلة باسم هند رستم في السينما المصرية.
ورغم إعادة إنتاج قصة الفيلم عام 1976 باسم” شوق”، حيث قامت بدور “لواحظ” الفنانة نادية الجندي أمام حسين فهمي ومحمود المليجي ومحمد العربي ومن إخراج أشرف فهمي، إلا أن فيلم “شوق” لم يرقى لمستوى “امرأة على الطريق” الذي يعتبر من أهم كلاسيكيات السينما المصرية، حيث جاء في المركز 72 بقائمة أفضل 100 فيلم في ذاكرة السينما المصرية، حسب استفتاء النقاد بمناسبة مرور 100 عام على أول عرض سينمائي بالإسكندرية (1896-1996) وتم الاختيار بين عام 1927 الذي عرض فيه فيلم “ليلي” أول فيلم مصري وحتى عام 1996 تاريخ إعداد قائمة المئة فيلم الأفضل في تاريخ السينما المصرية. الرأي ذاته تبناه الروائي والسيناريست أيمن عادل قائلا: يعتبر فيلم “امرأة على الطريق” 1958 علامة فارقة في حياة الفنانة هدى سلطان ومرحلة جديدة دشنتها لتثبت أنها ممثلة متمكنة من أدواتها فهي في هذا العمل تخطت سقف التوقعات.
نستطيع القول إن هدى سلطان وضعت نفسها في مصاف نجمات الصف الأول بعد أداء هذا الدور بتلك البراعة حيث خرجت عن إطار المألوف الذي طالما حبس العديد من فنانات جيلها وأرغمهن على التنميط لكنها بذكاء استطاعت الهروب من هذا الفخ وشخصت باقتدار دور اللعوب بجرأة متناهية متخلية عن أدوارها التقليدية، التي جسدت معظمها مع الفنان فريد شوقي زوجها في ذلك الوقت بالعديد من أعماله فكانت مجرد عنصر مكمل لا أساس كما ظهرت في هذا الفيلم، حيث كانت محور الأحداث والمحرك لكل شخصياته.
أثبتت هدى في هذا العمل أنها فنانة تعرف طريقها وتخطط لمستقبلها الفني بشكل واضح رغم ما مرت به من صعوبات على مستوى حياتها الشخصية بسبب الفيلم وتبعات نجاحه، لكنها لم تتراجع عن حلمها في أن تصبح نجمة بكل معنى الكلمة وتسطر في تاريخ السينما المصرية والعربية حروف اسمها فلا تمحى أبدا.

قوالب عديدة
كانت هدى سلطان قبل “امرأة على الطريق” محصورة في دور المرأة المسالمة مكسورة الجناح، أو الحالمة الرومانسية كما في فيلم “المجد” 1957، الذي قامت فيه بدور مطربة نصف لبنانية تحب الممثل “فريد” وتتحمل كل الظروف التي مر بها حتى أنها تنقذه من الموت في نهاية الفيلم، الذي قام بتأليفه ولعب دور البطولة فيه الفنان فريد شوقي وأخرجه السيد بدير.
دور الرومانسية وأيضا الشقية نوعا ما قدمته مع المطرب والملحن عبدالعزيز محمود في فيلم “تاكسي الغرام” عام 1954، وقدما خلاله معاً أغنية “تاكسي الغرام” التي أضحت عنواناً للفيلم، ثم رأينا هدى سلطان في ثوب آخر حين قدمت دور “وفية” الضريرة التي تشارك أهل بورسعيد في مواجهة العدوان الثلاثي الغاشم، وكانت جزءا في هذا العمل من قصة نجاح حقيقية في عمل تم بتوصية من الرئيس جمال عبدالناصر، أنتجه وقام بدور البطولة فيه زوجها فريد شوقي وتم عرض في يوليو 1957.
وجه ثالث قدمته هدى سلطان مع المخرج كمال الشيخ في فيلم “شيء في صدري” سنة 1971، المأخوذ عن رواية إحسان عبدالقدوس التي حملت الاسم نفسه، وبأداء مبهر قدمت دوراً متميزاً أمام رشدي أباظة وشكرى سرحان، حيث جسدت دور “تفيدة” التي يتوفى زوجها فتقع فريسة لصديقه “حسين باشا شاكر” الذي ينتقم من شخص صديقه في كيان أسرته ويحاول أن يفقدها شرفها، ذلك الشرف الذي اتسم به الصديق الراحل، وبينما تستجيب “تفيدة” وتقع فى بئر الخيانة، تصمد الابنة “خديجة” كحائط صلد أمام تسلط الباشا الذي أبدع في أداء دوره الفنان رشدي أباظة.
كان نجاح “امرأة على الطريق ” دافعا كي تكرر هدى التجربة وتقدم عام 1960 فيلم “صائدة الرجال” الذي لعبت فيه دور فتاة في ملهى ليلي.

كاميرا يوسف شاهين
كان شأنها شأن كل فنان وقف أمام كاميرا يوسف شاهين، فبدا مختلفا وكأنه شخص آخر، حتى إن النقاد يرون أن يوسف شاهين كان يفرض شخصيته وطريقته على كل من يعملون معه حتى يصبحون مستنسخا منه. شاركت هدى في خمسة أعمال من إخراج شاهين، هي: “نساء بلا رجال” 1953، “الاختيار” 1971 و”وداعا بونابرت” 1985، و”عودة الابن الضال” 1976، و”اسكندرية كمان وكمان” 1989.
في “نساء بلا رجال”، أدت دور “دولت” التي تترك زوجها “جمال” الذي يذهب للحياة مع عمته في الريف بعد خلاف مع أبيه لكن “دولت” لا تتحمل تلك الحياة القاسية مع عمته وبناتها غريبات الأطوار. أما جمال فيقع في حب “أزهار” ابنة عمته التي قامت بدورها الفنانة مارى كويني, وشاركت في فيلم “وداعا بونابرت” العام 1985 بإنتاج مصري فرنسي وبمشاركة ممثلين فرنسيين ومصريين، وناقش العمل آثار الحملة الفرنسية على مصر “1798 – 1801” فكريا وثقافيا.
لكن التميز الحقيقي لهدى مع شاهين كان في فيلم “عودة الابن الضال” 1976 عن رواية أندريه شديد، وسيناريو وحوار صلاح جاهين ويوسف شاهين، وبطولة محمود المليجي، وشكري سرحان، والجزائري سيد علي كويرات، ورجاء حسين، وهشام سليم، وماجدة الرومي. قدمت هدى سلطان دور الأم، التي تحاول السيطرة على أملاك العائلة التي ضيعها زوجها “محمد المدبولي” محمود المليجي قبل ذلك، واستردتها العائلة بنهب ثروة “فاطمة” سهير المرشدي وشقيقتها الكبرى، التي تزوجت من الابن الأكبر “طلبة” شكري سرحان.
مع تقدم العمر تنوعت أدوار هدى سلطان ولعبت دور الأم بأكثر من شكل، وكما أجادت لعب دور “بنت البلد” في أفلامها السينمائية المختلفة، نجحت في تقديم شخصية “الهانم” كما رأيناها في دور أم سليم البدري “نفيسة هانم” في رائعة أسامة أنور عكاشة “ليالي الحلمية”.

“الأولة آه”
كانت هدى تمتلك الصوت الرخيم، القادر على أداء مختلف الألوان الغنائية السهلة والصعبة، الخفيفة التي تحتاج الدلع اللائق ببنت بلد في أي حارة مصرية، لذا ظلت رائعتها “من بحري وبنحبوه” حية طازجة رغم مرور السنين وبرعت في أداء “الموال” على صعوبته وفي فيلم “امرأة على الطريق” شدت من كلمات كمال عطية وألحان محمد الموجي موال “الأولة آه”.
وبالمقدرة نفسها وبالقوة ذاتها شاركت المطرب الشعبي محمد أبو دراع، الذي سمي بهذا الاسم لأنه فقد ذراعه اليمنى، وبرز نجمه في الأربعينيات والخمسينيات وكانت لديه قدرة فذة على ارتجال “الموال” وقد وقفت أمامه هدى سلطان نداً لند في واحد من أجمل وأروع المواويل المستمدة من الفلكلور الشعبي المصري.
كان ذلك الصوت الرخيم القادر على أداء الموال بسلاسة وتمكن أهم ما ميز صوت هدى سلطان كما يراه الموزع الموسيقي عبدالوهاب الرافع: “من خامات الصوت الرخيمة في منطقة الترو ميتو سوبرانو، من الناحية الحسية ممثلة مطربة بالترتيب، فأغنياتها وطريقة أدائها تخدم الدراما في المقام الأول، وساعدها على ذلك أنها كانت شقيقة محمد فوزي فهي من العجينة نفسها ما أثر على اختيارها في موضوعات الأغنيات، وكان لمحمد فوزي دور محوري في تحديد طريقة اختيارها لأغنياتها.
انها الفنان “الباكيدج” فهي ليست ممثلة فقط وليست مطربة فحسب، بل هي خلطة مكتملة الأركان، اعتمدت كمطربة إذاعية عندما سمعها رياض السنباطي وتنبأ لها بمستقبل باهر وقد كان.

الصوت الذهبي
جذب صوتها الذهبي، الفنان والموسيقار رياض السنباطي الذي لحن للعمالقة أم كلثوم وصالح عبدالحي وأسمهان وفايزة أحمد وميادة الحناوي، أعجب السنباطي بصوت هدى سلطان وقرر أن تشاركه “دويتو غنائي” في فيلم “حبيب قلبي” 1952 وهو الفيلم الوحيد الذي قام ببطولته والدويتو بعنوان “عندي سؤال” كتبه حسين السيد، أما الموسيقار محمد الموجي، فقد وصف صوتها بأنه “صوت بارع وقوي يعرف في عمق أصول الغناء المتقن”.

أغنيات زمان
عندما سئلت في إحدى البرامج عن الفرق بين أغنيات زمان والجيل الجديد، قالت إنها مازالت تستمتع بأغنيات الجيل القديم أكثر، أم كلثوم، ليلى مراد، وردة، نجاة، شادية وعبدالوهاب، ولا تستمع إلا لقلة قليلة من الشباب من بينهم هاني شاكر، محمد ثروت، محمد الحلو، نادية مصطفى. وتابعت حرفياً “لكن فيه حاجات لا تتسمع ولا تتشاف، اللي بيرقص ويغني بملابس رياضية، واللي تغني ببلوزة… فين الشياكة بتاعة زمان؟!”
عندما سئلت هدى سلطان عن شعورها إحدى المرات التي تم تكريمها فيها قالت: “كل مخرج حرص على أن يبرز مني العنصر الذي لم يسبقه إليه غيره، وكل منهم حاول أن يلون جانباً من صورتي الفنية، ومن المؤكد أنهم جميعا أسهموا في كشف جوانبي المختلفة وإلا بقيت على وتيرة واحدة طوال حياتي” وربما ما قالته صحيحاً إلا أن هناك جانباً لا يجب إغفاله وهو مجهودها الشخصي ودأبها والتزامها وحرصها على تقمص شخصيات العمل.
فقد روى المخرج جمال عبدالحميد في حوار تلفزيوني مع الفنانة إسعاد يونس أنه أثناء التجهيز لمسلسل “أرابيسك”، ألحت هدى سلطان على زيارة “البلاتوه”، فقام باصطحابها ذات يوم ففوجىء بها وقد ارتدت ملابس الشخصية، التي قامت بحياكتها بنفسها، إذ كانت الحياكة من مهارات هدى سلطان، وأخذت تتجول في البلاتوه لتتعرف على تفاصيل شقة “أم حسن أرابيسك” وكانت تضع سماعات في أذنها، وبعدما انتهت سألها عما كانت تسمعه فإذا بها تقول له إنها سجلت مشاهدها وكانت تسمعها بينما تتجول بين أركان “البلاتوه”.
قالت عنها الناقدة خيرية البشلاوى “استطاعت كفنانة عظيمة أن تمد جسراً قوياً بإحساس فطري وخبرة عريضة بين بنت البلد والست هانم لرسمها الدقيق للشخصية وبقوة حضورها وبالحس الإنسانى العالى المتفهم لأبعاد الشخصية.. لقد جسدت طوال مشوارها عشرات الشخصيات الساخرة والمكسورة، الظالمة والمظلومة… في كل أدوراها التي تعكس من خلالها تركيبة المرأة بأشكالها ومعانيها المتباينة تلمح عنصر قوة ما يتمثل في صفة العناد والمثابرة والصبر وفي كل هذه الصور نلمح منطقة قوة ومساحة إنسانية يتضاءل حجمها أو يتسع حسب قيمة الدور والعمل نفسه”.
(يتبع)

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.