هديب الشام محبرة وقلم

0

مشعل عثمان السعيد

كثيراً ما سمعنا عبارة “هديب الشام” لكن الكثير من الناس لا يعرفون معنى هذه العبارة، وقبل الدخول في تفاصيلها لابد أن نعرف معنى كلمة “هديب” وهي تصغير لكلمة هدب، وتلفظ في اللغة العربية: الهدب بضم الهاء وسكون الدال وضم الباء، والهدب شعر أشفار العينين، وفي قاموس لسان العرب: الهدبة بضم الهاء وسكون الدال وفتح الباء وضم التاء، المربوطة، وفسرت هذه الكلمة في لسان العرب: بأنها الشعرة الثابتة على شفر العين وفي الصحاح: هدب الثوب وهداب والأخيرة بضم الهاء وشد الدال المفتوحة، وإذا قلنا: هداب الثوب، فالمعنى ما على أطرافه، وهدب العين: ما نبت على أطرافها من الشعر وأشفارها وفي الأهداب يقول أبوالطيب المتنبي:
فإن نهاري ليلة مدلهمة
على مقلة من بعدكم في غياهب
بعيدة ما بين الجفون كأنما
عقدتم أعالي كل هدب بجانب
ويقول محمود سامي البارودي:
نصبت حبائل هدبها فتصيدت
قلبي فراح فريسة الأهداب
والكلمة المرادفة لأهداب، رموش، ويقول أحد الشعراء أيضا:
عيناك راحة شعر لفها السحر
يغفو ويصحو على أهدابها القمر
وأعود إلى: هديب الشام شيال الحمول الثقيلة، ففي العصر العثماني، كان يتقدم قافلة الشام المتوجهة إلى مكة المكرمة في موسم الحج جمل أقوى ما يكون من الجمال وهو أقوى جمل في المحمل الشامي، ويكون هذا الجمل مزركشا بالألوان الجميلة من قطع القماش حتى أن من يراه ينبهر لمنظره اللافت للنظر، ويرى المحمل فوق ظهر البعير بأجمل زينة، تتدلى زينتها على جوانب البعير، وربما وضع على أطراف المحمل جرس، حتى أن أبناء البادية في ذلك الزمان يتجمعون لرؤية محمل الشام ويندهشون لجماله وتناسق ألوانه، والتطريز الذي يظهر على خام المحمل، وكان المحمل كما يصفه شعراء ذلك الوقت في غاية الروعة، أما عبارة هديب الشام فتطلق على الرجل الذي تتوافر به الصفات الحسنة من شجاعة وفروسية وكرم وإقدام وغيرها من الصفات الحميدة، فيقال: ونعم بفلان هديب الشام، وأحيانا يقولون: فلان ونعم وستين نعم: “هديبان” وقد وردت عبارة هديب الشام في الكثير من الأشعار النبطية وأشهرها قول الفارس الشاعر مقحم الصقري:
خطو الولد مثل البليهي اليا ثار
زودن على حملة نقل حمل اليفة
يشدي هديب الشام شيال الأخطار
اليامشي ما أزين تمدري زريفه
وقد صور عبيد بن هويدي دخول هديب الشام الحرم المكي الشريف في قوله:
يشبه هديب الشام دله وجرسانه
لا طب إلا بطح وقفوا له بالأسواق
هذا بالنسبة لهديب، أما الشام فهي الشام التي نعرفها: سورية، لبنان، فلسطين، الأردن وقد سميت: شام نسبة لسام بن نوح عليه السلام، لأنه نزل بها، والسين العبرية تنطق شيناً في اللغة العربية، لذا سميت “شام” بدلا من “سام”، وهي في اللغة جمع شامة، وموقعها شمال الحجاز ومكة المكرمة، وذكر أن هذا الاسم: “شام” جاء بسبب كثرة قراها وأن بيوتها متقاربة وهي أشبه ما تكون بتوزيع الشامات في الجسد، والشام كانت تتبع الدولة البيزنطية، وفيها يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الشام، أرض المحشر والمنشر” حديث صحيح وقد افتتحها المسلمون آخر خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وبداية خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان أمير الأمراء في جيش الفتح سيف الله خالد بن الوليد، وأشهر معاركه: أجنادين واليرموك الأولى سنة 13 هـ والثانية سنة 15 هـ وكان فتحا عظيما ونصرا كبيرا وقد خرج منها: هرقل قيصر الروم وقال كلمته المشهورة: وداعا سوريا، وداعا لا لقاء بعده، وكان أجدادنا يقولون: “الهند هندك إذا قل ما عندك، والشام شامك إذا زمانك ضامك”، وأقول: الكويت كويتك لا قل ما في بيتك، انتهى حديثي.
جف القلم ونشفت المحبرة في أمان الله.
كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

واحد + خمسة عشر =