هذا كأس العالم! شفافيات

0 7

د. حمود الحطاب

تقول الحكمة: الأماكن لاتساوي شيئا وهي خالية ممن نحب. وأقول: قلنا لأبنائنا الصغار الذين يدرسون مع ذويهم في بعض بلاد الغرب ما رأيكم أن تكملوا دراستكم هنا الى المرحلة هنا في هذه البلاد الجميلة وتشتغلون بعلمكم فيها وتعيشون هنا؟ فقالوا على الفور، جميعهم قالها: نريد أن نعود الى الكويت في أقرب وقت ونعيش في الكويت ونشتغل في الكويت. فقلنا لهم: إن النظام المعيشي هنا أفضل بكثير من الكويت والأجواء أفضل ومجالات الرحلات والرياضة أفضل، وها أنتم قد اختارتكم المدرسة والمنطقة لتمثلوها في الرياضة وكرة القدم، وقد سجلوكم في أنديتهم الرياضية الشهيرة بعد أن رأوا إمكاناتكم ولياقتكم وقدراتكم، فقالوا إن الكويت فيها ترفيه وفيها رياضة ونحن نريد العودة بأقرب وقت. فقلنا لهم:ولماذا؟ فقالوا:نحن نحب الكويت ونحب أن نكون هناك. فقلنا لهم:لماذا تحبون الكويت؟ فقالوا: أعمامنا وعماتنا هناك وأخوالنا وخالاتنا هناك وعيالهم وكذلك أصدقاؤنا هناك، فقلنا لهم: لو جاء كل أهلنا وأهلكم الى هنا الى بلاد الغرب وجاء كل أصدقائنا وأصدقائكم وعاشوا هنا فهل تفكرون بالبقاء هنا ؟فسكتوا قليلا ثم قالوا: نفكر في هذا.
الأماكن وحدها ليست جميلة من غيركم أيها الأهل، ايها الأصدقاء، وحتى بلادنا ليست جميلة بغيركم.ماذا لو تغير كل سكان بلادنا وأصبحوا من بلاد بني الأصفر مثلا أو من بلاد بني الأحمر كما يقول العرب، فهل تبقى بلادنا جميلة؟ لو أفاق جدي وجدك من موتهم ووجدوا أجيالا غير أجيالهم، ومساكن غير مساكنهم،وأهلا غير أهلهم، وشوارع واسوقة وعادات وتقاليد غير عاداتهم وتقاليدهم، ولهجات غير لهجاتهم، وآدابا وسلوكيات غير التي تربوا عليها،ووجدوا انقراض الثياب الكويتية وتحولها التدريجي للافرنجي، ولا بشت ولاغترة ولاعقال ولا شيء مما الفوا وأحبوا،فهل سيحبون البقاء في الحياة؟ ولنفرض أنهم أرادوا الحياة،فهي أفضل من الموت حتما،فهل سيستطيعون التكيف مع حياة دخلها الغش والكذب والرشوة والحرمنة،وارتفعت في اركانها راية الدجاج، وكسرت أجنحة الصقور، وكبت المخلص وعزز المنافق وسادت الخلافات وزال التفاهم والتراحم والمودة. كيف ترون؟
إن العملية كلها هنا اسمها الاقتران والاشتراط،أو الاقتران الاشتراطي؛ فاقتران الأهل بالوطن اقتران، ومثله القيم والمبادئ والمحبة والعشق كلها اقترانات، فهل الحياة بالاقترانات الاشتراطية علامة صحة أبدية؟ في القرآن دعوة للمضغوط عليهم في دينهم وحياتهم أن يهاجروا فالأرض كلها لله. فلاقيمة للتعلق بشيء بسبب الاشتراطات التي تفرض نفسها على السلوك البشري وحتى الحيواني.وعلماء الاسلام يشيرون لهذا، فالشافعي يقول عن العبودية المكانية والتصنم بسبب الارتباطات الاشتراطية:
سافر تجد عوضا عمن تفارقه
وانصب فإن لذيذ العيش في النَّصَبِ
وقصيدته تصب وبقوة في الارتحال والتغرب والسفر للتغيير، حيث قال:
مافي المقام لذي لب وذي أدب
من راحة فدع الأوطان واغترب
وقال:
إني رأيت وقوف الماء يفسده
إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب
ومعنى النصب التعب والكد وبذل الجهد. ويقول الشافعي ايضا:
والأُسد لولا فراق الأرض ما افترست
والسهم لولا فراق القوس لم يصب
وقصيدته طويلة على هذا المقام الآن. لكن الرسول صلى الله عليه وسلم يخفف من كل هذا بالنسبة لمكة، مسقط رأسه الشريف حين قال بلال حانَّاً مشتاقا لمكة وما ألفه فيها من مناظر ومعايش: ألا هل أبيتن ليلة بمكة وحولي إذخر وخليل، وهي جبال فيها،فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا بلال دع النفوس تقر أو كما قال. وقالها النبي في مكة: أنت أحب بلاد الله إلي ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت، او كما قال. لكنه صلى الله عليه وسلم رجع بعد فتح مكة للعيش في المدينة مركز ادارة الدولة الإسلامية التي بناها فعاش فيها ومات فيها ودفن فيها، وانتزع بهذا مسألة التعلق الاشتراطي الذي تعاني منه البشرية وتؤصل له وتقاتل وتموت من أجله. انتزع هذا من أجل المبدأ.
كيف نفهم هذه الأمور وأين الصواب، هل هو في التجرد أم في العيش الاشتراطي؟ اترك لكم التفكير. وأطلب من المتزلفين الابتعاد عن المشاركة في هذا الحوار العلمي.
كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.