هذا ما تريده الكويت يا ولي الأمر حتى لا نبكي على الأطلال

0 227

كتب- أحمد الجارالله:

عبَّرتم سموكم في النطق السامي، في افتتاح دور الانعقاد الأخير لمجلس الأمة، عمّا يختلج في صدور الكويتيين كافة من هواجس بسبب ما يدور في بعض الدول المجاورة، وتأثيراتها السلبية على الكويت، وأبديتم مخاوفكم وقلقكم، ووجعكم مما تشهده ساحتنا الداخلية، كما أسديتم النصح للجميع أن يتعظوا، وكل هذا كان محل ترحيب من الكويتيين، غير أن العبرة في أداء السلطتين، التنفيذية والتشريعية، إذ كان عليهما أن تأخذا بهذه النصائح، وتنكبان على العمل الجاد والمثمر لتحييد الكويت عن الشرر الإقليمي المتطاير.
للأسف، إن مجلس الأمة لم يكن على مستوى المسؤولية الوطنية الكبيرة في هذا الشأن، ولذلك بدلا من العمل دخل دهليز الاستجوابات ومحاولات تحسين مواقع النواب الانتخابية، فيما مجلس الوزراء آثر الهروب إلى الأمام بالاستقالة، والبلاد على بعد أشهر قليلة من الانتخابات النيابية، التي معها يمكن أن يعاد تشكيل هذا المجلس وفقا لنتائجها، وكما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.
نعم، المنطقة من حولنا تشهد حرائق كبرى، تسبب بها قش من الإهمال تراكم على مدار أعوام، إما بسبب التجاهل أو التقاعس، أو رغبة في الاستحواذ على ثروات تلك الدول، ما أدى إلى الحريق الكبير، ولا نخفي سراً إذا قلنا إنها كانت دلائل على ما يمكن أن تصل إليه الأمور إذا استمر الفساد في الكويت على ما هو عليه، وأن تكون هناك معالجات صادقة لمختلف القضايا التي تواجهها السلطات المعنية، حتى لا تتحول مسألة صغيرة حريقاً كبيراً.
لنا في هذا الشأن عبرة بلبنان الذي ثار مواطنوه على ضريبة بسيطة جداً، (ضريبة الـ”واتس اب”) بعدما أمعنت الحكومة في تجاهل مطالب الناس وماشاها مجلس النواب في الفساد، حتى تحولت حريقا كبيرا يهدد البلد ليس بالانهيار المالي فقط، إنما أيضاً بالعودة إلى الحرب الأهلية، والتدخلات الإقليمية والدولية التي تزيد من تعقيد وضعه الداخلي.

صاحب السمو رئيس الدولة
منذ التحرير إلى اليوم انتخب الكويتيون 11 مجلس أمة، بعضها حل لأن وزيراً لم يواجه الاستجواب، أو هروباً من المساءلة الدستورية التي هي من آليات العمل البرلماني السليم، وليس استغلالها من النواب لتمرير مصالح فئوية كما هو سائد حاليا، فيما تشكلت 19 حكومة، وفيها كلها كانت المعارك بين المجلسين السمة الغالبة، إلى ان إحدى الحكومات لم تستمر أكثر من شهرين، ولهذا إذا نظرنا إلى عدد الوزراء النواب المتقاعدين لوجدنا أنهم يناهزون المئة وأكثر، فهل يمكن أن يستقيم العمل التشريعي والحكومي في هكذا وضع، وأن لا يكون متوسط عمر الحكومة، أي حكومة نحو 15 شهراً؟
السبب في كل هذا التخلي عن المسؤولية التي اتسمت بها غالبية النواب والوزراء، والتكسب غير المشروع ما جعل الفساد يستشري في غالبية مفاصل الدولة، والمؤلم أكثر أن هؤلاء لم ينظروا إلى مشكلات الكويتيين ويعملوا على حلها، بل إنهم أمعنوا في تجاهلها.

أميرنا وولي أمرنا
ثمة قضايا يمكن حلها من دون ان تتحمل الدولة أي تكاليف، كما هي الحال في المسألة الإسكانية، بإيكال الأمر إلى القطاع الخاص، على غرار ما يجري في سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية وعدد من دول العالم، فيما تتحمل الدولة الفوائد فقط، فلا يكون هناك أي تأخير يزيد من الأكلاف المترتبة، مثل بدل الإيجار للموظفين، وغيرها من القضايا التي تزيد من الأعباء المالية.
أما في القطاع الصحي، فإن المسألة تكاد تشبه القربة المثقوبة، بعدما تحول “العلاج في الخارج” مصدر تكسب غير مشروع على حساب المال العام، فهل يعقل مثلاً أن تكون ميزانية وزارة الصحة نحو ملياري دينار، غالبيتها تدفع للسياحة الانتخابية، بينما البنية التحتية الصحية تزداد تخلفاً وتراجعاً، أليس من الأفضل أن تخصص هذه الأموال للنهوض بهذا القطاع الحيوي الذي لا شك سيجعل الكويت مقصدا للسياحة العلاجية، كما هي الحال في عدد من دول العالم؟
كذلك، قضية “البدون” فهي ليست فريدة من نوعها، ففي العالم الكثير من الدول التي تعاني منها، أو كانت عانت، لكنها وضعت الحلول التي أنهتها إلى الأبد، إلا في الكويت لا تزال المسألة تكبر وتكبر، إما بسبب المماطلة أو التمصلح، فالنواب يجعلونها قضية موسمية، والحكومة تماشيهم فيها، إضافة إلى القرارات الارتجالية في ما يتعلق بالتركيبة السكانية التي لا تخدم سمعة الكويت في الخارج.
وفي قضية القروض، هذه الأسطوانة المستمرة منذ سنوات، تكاد السلطتان لا تسمعانها، لأنها أيضاً من مصادر التكسب الانتخابي، وكل مسؤول في هذا الشأن يغني على ليلاه، بينما يمكن أن تكون هناك حلول واقعية، لا تتحمل الدولة فيها أي تكاليف، كأن يجري تغيير الإجراءات القانونية إذ كيف لمدين يزج به في الحبس أن يدفع ما عليه من ديون، وهل سيهرب كويتي من وطنه لأنه مدين بشيك من دون رصيد؟
في كثير من الدول المتحضرة لم تعد هذه الإجراءات موجودة، حيث يمنح المدين تسهيلات تشجعه على التسديد، ولا تدفعه إلى السجن والعجز الكلي.

صاحب السمو
هناك مُنغصات كثيرة يمكن حلها ومنع تراكمها، والكويتيون لا يطلبون المعجزات، بل يريدون حل أبسط القضايا، لذلك فإن المطلوب حكومة تعمل بعيداً عن الضغوط النيابية، لا يتمصلح فيها الوزراء والنواب… حكومة قوية قادرة على ايقاف الفساد ومعالجة أسبابه، حتى لو كانت بمواجهة أقوى المجالس النيابية لا تخاف أو تهتز، ولا يكون التنابذ فيها سيد الموقف… حكومة تعمل لهذا الوطن حتى لا نصل إلى وقتٍ تقصم فيه قشَّة ظهر البعير، عندها لن ينفع البُكاء على الأطلال.

You might also like