هذه حالة من مئات الحالات المماثلة …!

0

حسن علي كرم

محاسب قانوني وافد، و هذا يعني انه موظف مهم، يتفق مع تاجر «شريف» على ترتيب الإفراج عن ثلاثة «كونتيرات» لبضائع ممنوع دخولها البلاد، وتم تفتيشها ووضع عليها «بلوك» منذ وصولها الى المنطقة الجمركية، ما يعني عدم التصريح لها بدخول البلاد، ورغم محاولات التاجر اقناع الجمارك بان الشحنة بضائع عادية لا مخالفة عليها، الا ان محاولاته باءت بالفشل، هنا استغل المحاسب القانوني الوافد الأمين على شرف الوظيفة، وشرف الضيافة في بلد يفترض ان يحترم قوانينه، نقول استغل الوضع وعرض على التاجر خدماته بالافراج عن الشحنة مقابل 20 الف دينار، عداً و نقداً، الا ان التاجر استنكر الامر، ما دفعه الى تقديم شكوى للمدير العام للمباحث الجنائية، الذي بدوره كلّف مباحث مبارك الكبير بمواصلة التحريات، الذين أقنعوا التاجر باستمرار التواصل مع المحاسب الوافد القانوني، الذي وضعوه تحت المراقبة المكثفة، مع استصدار الأذونات اللازمة من النيابة العامة، وفي نهاية الرصد والمتابعة تم القاء القبض على المحاسب الشريف جداً…جدا في مكتب التاجر بالجرم المشهود!
الجمارك كانت ولا تزال، وقد تبقى الى أبد الابدين، مغارة «علي بابا» او مناجم من الذهب النقي عيار 24، لبعض اصحاب النفوس الرخيصة والضمائر الخربة، فهناك بضائع فاسدة وممنوعات تعبر من بوابات الجمارك البرية او البحرية او الجوية، واذا كان هذا التاجر الذي استكثر او استنكر ان يدفع المبلغ الخيالي للمحاسب الوافد، بغية الإفراج عن بضاعته الممنوعة، فكم تاجرا غيره او أشباه التجار لا يضيعون هكذا فرصة ذهبية اذا مُنعت بضائعهم، ويرشون موظفين فاقدي الأهلية وفاقدي الضمير على شاكلة المحاسب الوافد المحترم، صاحب الضمير النظيف، ويتم الإفراج عن بضائعهم؟
لعل فضيحة تهريب ثلاث شاحنات من ميناء الشويخ قبل بضعةاشهر ماازالت حاضرة في حديث الناس، وربما قضية مطروحة امام القضاء، لذلك فان قضية رشوة المحاسب الوافد ليست حالة استثنائية وحيدة، بل هي حالة من مئات او الاف حالات الرشى التي تنجز صفقاتها خلف الابواب المغلقة او تحت الطاولة، وفي اغلب الاحيان يكون احد طرفيها موظفا وافدا!
ليس للفساد انياب، انما قفازات من الحرير، ولمساته ناعمة، وأصابعه رقيقة، والفساد لا يتربى في جحور الثعابين او في البيوت المتهالكة او المهجورة، انما يتربى على فرش من حرير، وسرائر منقوشة.
نحن نتحلطم كثيراً عن الفساد، وكأننا نتكلم عن شبح او عن شخصية مجهولة، رغم اننا نصطدم كل يوم بعشرات من الاقاصيص التي محورها الفساد وابطالها فاسدون.
هل نفهم الفساد فقط بالرشوة ام أوله فساد الضمير، وصحيح اذا قيل» اذا خًُليت خُربت» الا ان المثالية والطوباوية قلما وجدت في دوائر تعج بموظفين لا مبالين مع غياب المتابعة والمراقبة، فانت ازاء دوائر حكومية فيها عشرات الاف الموظفين الذين يبصمون في الصباح الباكر ثم ينصرفون من وزارتهم او مراكز عملهم ليعودوا اليها قبل انتهاء الدوام ليطبعوا بصمة الخروج، وصحيح ان هناك موظفين مخلصين و ملتزمين بالعمل و بالدوام، وحوافزهم الاخلاص وأمانة المسؤولية ، الا انك لا تجد لهؤلاء المخلصين مكاناً يليق بهم وبإخلاصهم، وقلما ينالون جزاء او شكورا من رؤوسائهم، «تدرون ليش»؟ لان «الصقله في ديرة كل من ايدو له ضياعه» بحسب القول الكويتي الفصيح!
نرجو الا يفهم موظفو الجمارك انهم وحدهم معنيون بكلماتنا، بقدر ما جاء الحديث عنهم عرضا وبمناسبة حادثة رشوة المحاسب الوافد، وبالمناسبة نسأل: الى متى تبقى بوابات الدوائر الحكومية مفتوحة لتوظيف الوافدين، مع ما يشكل ذلك تسلطاً او ضغطاً سياسياً وتدخلاً في شؤون الدولة؟
الوظيفة الحكومية حق سيادي لا يجوز اناطتها بغير المواطنين، فضلاً عما يشكل ذلك مزاحمة لحق الكويتيين العاطلين عن العمل، ناهيك عن صرف ملايين الدنانير نظير الرواتب على موظفين لا حاجة فعلية لخدماتهم، وبخاصة الكتبة والإداريين فيما يقف العاطلون الكويتيون على أبواب الوزارت تطحنهم الحسرة والانتظار!

صحافي كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

7 + 6 =