هستيريا عسكرية إيرانية مسعورة

داود البصري

تعكس حالة التورط العسكري الإيراني المتزايد في ملفات ودول الشرق القديم، طموحات إمبراطورية رثة لنظام كهنوتي يرفع منذ أربعة عقود شعارات تصدير الثورة وإسقاط الأنظمة، تحت يافطات محاربة الصهيونية والاستعمار والاستكبار!، وهي الشعارات التي سقطت فعليا، وتهاوت بالجملة وأضحت نكتة تاريخية سوداء، بعد أن تحولت الآلة العسكرية الإيرانية لأكبر تهديد إقليمي وبشكل تجاوز بكثير حتى الخطر الإسرائيلي ذاته، فالإيرانيون الذين زاد تأثيرهم السياسي والأمني والعسكري في الشرق منذ احتلال العراق وانهيار الجيش العراقي العام 2003 على يد «الشيطان الأميركي الأكبر» والذي قدم ولايزال للنظام الإيراني خدمات ستراتيجية جليلة، أضحوا لا يتحدثون عن حماية نظامهم إلا من خلال اعتبار عواصم دول الجوار العربي بمثابة خطوطهم الدفاعية!، كما تحقق بشكل واضح ما وعد به الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني في تسعينات القرن الماضي من أن الجندي الإيراني سيستطيع التحرك بسهولة على الطريق الرابط بين كابول الأفغانية وبيروت على البحر المتوسط ومن خلال عاصمتي الخلافة الإسلامية بغداد ودمشق! فها هو الجيش والحرس الثوري الإيراني ومجاميع العصابات الطائفية الإقليمية المتحالفة معهم يخوضون القتال الدموي في عاصمة الأمويين دمشق بعد أن هيمنوا بالكامل على عاصمة الخلافة العباسية بغداد من خلال تنصيب حكومة عراقية عميلة بالكامل ومرتبطة بالمشروع الإيراني ويقودها حزب إيراني إرهابي عريق هو حزب الدعوة وشركاه من العملاء كعصابة «آل الحكيم المجلسية» وغيرهم من العملاء الجدد و المستحدثين.
وردا على الهزائم العسكرية القاسية التي تكبدتها المؤسسة العسكرية الإيرانية في سورية ومصرع الآلاف من الجنود الإيرانيين على أيدي الثوار السوريين الأحرار، فقد أصابت الهستيريا المتوحشة أقطاب القيادتين السياسية والعسكرية الإيرانية الذين باتوا يتحسسون رقابهم جيدا، ويشعرون بمدى الورطة الثقيلة التي تورطوا بها عبر غرقهم في حرب إستنزاف دموية رهيبة في الشام يعلمون علم اليقين بأنها ستجهز عليهم قريبا، ولربما تنقل الصراع للعمق الإيراني عبر تثوير الشارع الإيراني المتوتر بعد الزيادة المضطردة في أعداد التوابيت المرسلة لطهران، برا وجوا،وهو ما انعكس بشكل واضح على تصريحاتهم التهديدية ضد الثوار السوريين الذين نجحوا في أسر عناصر عسكرية إيرانية في معارك خان طومان بريف حلب الجنوبي بعد أن أوقعوا مذبحة كبرى بعناصر الجيش والحرس الإيراني، في هزيمة عسكرية مذلة للآلة العسكرية الإيرانية التي تهاوت كعصف مأكول أمام شدة وإندفاعة وعزم وشجاعة الثوار السوريين!، لقد كانت معارك خان طومان رهيبة فعلا وتمثل تحولا ستراتيجيا في موازين الصراع العسكري وصدمة حقيقية للجهد العسكري الإيراني، حتى أن قائد القوات البرية الإيرانية العميد أحمد رضا بوردستان فقد إبنه في تلك المعركة، ومن خضم الورطة وفي قلب التورط أعلن العميد بوردستان في أول رد فعل عسكري عن حشد الجيش الإيراني لخمسة ألوية عسكرية برية على استعداد فوري لدخول العراق مع تغطية جوية ملائمة، وهو إجراء في ما يبدو يعبر عن الخشية من هجمات مضادة قد تنطلق داخل العمق الإيراني، وهو ما يعني زيادة مضطردة في التعبئة العسكرية وفي توسيع المجال الحيوي و الستراتيجي الإيراني ليشمل إستباحة شبه كاملة لكل من العراق وسورية، فالجيش العراقي المنهك والمشتت والغارق في أتون صراعات داخلية حادة قد بلغ من الضعف مبلغا كبيرا رغم صرف المليارات عليه، ولكن الفساد السلطوي العراقي لحكومة الفاسد الأكبر نوري المالكي وضعف خليفته العبادي قد تركتا مؤثراتهما الظاهرة على أوضاعه!، أما الجيش السوري فلم يعد له وجود حقيقي بعد أن تمزق لأشلاء وأضحت الميليشيات الطائفية هي عدة النظام السوري للدفاع عن سلطته المتآكلة ووجوده المؤقت.
الإيرانيون اليوم يعيشون هستيريا حقيقية بعد أن فشلت جهود جنرالاتهم في منع الكارثة، وبعد أن أصاب الإستنزاف المرهق والمدمر آلتهم وألتهم قياداتهم وبات يهدد فعلا بنقل المعركة للعمق الإيراني وهو الأمر الذي ستتولاه فعلا المقاومة الوطنية الإيرانية في قوادم الأيام، والتي تعيش حاليا مرحلة حشد وإعداد تعبوي لتثوير الشارع الإيراني المتوثب، هستيريا عسكرية وسياسية إيرانية لا تعني القوة بقدر ما تعني انهيارا نفسيا واضحا عبر عن نفسه بزيادة جرعات القمع والإرهاب في الداخل و تنشيط ماكينة حفلات الإعدام الإرهابية ضد أبناء الشعوب الإيرانية وعلى رأسها الشعب العربي الأحوازي الذي يتعرض لحرب إبادة حقيقية وومنهجة.، لقد أظهر التورط العسكري الإيراني في سورية والدعم اللوجستي الإيراني لعملائهم في العراق الضعف البنيوي والقاتل لنظام يتخبط في أزماته، ويعيش لحظات إنكساره وتراجعه التاريخية، ونصر الثورة السورية سيعجل بإنهيار المعبد الإرهابي للنظام الإيراني على رؤوس قادته.
لحظات تحول وتغيير هائلة ومثيرة يعيشها الشرق القديم وهو يشهد غروب الكهنوت الإرهابي الغاشم.

كاتب عراقي
dawood.albasri@hotmail.com