هكذا تكلَّم الشيخ زايد

0

أحمد عبد العزيز الجارالله

يُروى أن وزيراً للعدل في بدايات دولة الإمارات العربية المتحدة جاء ذات يوم الى رئيسها المؤسس، المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، باقتراح قانون حول ملاحقة المدينين، ومنعهم من السفر وحبسهم حتى استيفاء الدين، وبعدما قرأ الشيخ زايد الاقتراح سأل الوزير: “لو جاءك مختل عقليا للاستدانة منك هل تقرضه المال؟”.
رد الوزير: “لا يمكن ذلك لأنني على قناعة أن شخصا بحالته هذه لن يرد لي مالي”، فقال الشيخ زايد: “إذاً هل تريد من الدولة، بأجهزة شرطتها ومحاكمها ان تصبح محصلا لديون الدائنين، أليس من الاجدى ان يكون صاحب المال حريصا على ماله، ويعلم كيف يسترد ديونه؟”.
هذه القصة تكشف في جانب منها بعد النظر الذي كان يتمتع به الراحل الكبير الذي أسس لدولة نهضوية رائدة، وكلما اتذكرها وانظر إلى حالنا في الكويت أرى القانون المعمول به هنا، الذي يؤدي الى طرد المستثمرين، وكثرة الدعاوى المالية وإشغال القضاء بديون غالبيتها لا تتعدى بضع عشرات من الدنانير، كفواتير الهاتف او تعسر مدين بأقساط سيارة وغيرها، وتنتهي دائما الى اصدار قرارات منع سفر وضبط واحضار.
هذا القانون ليس موجودا في اي دولة، كي لا تتحول المؤسسات العامة والعدلية والوزارات مندوب تحصيل ديون للشركات والبنوك، ولا يمنع المواطن من تخليص معاملاته حتى يفي بالدين، الى درجة لم يعد هناك إلا منعه من تسجيل زواجه لدى الدوائر الرسمية.
ثمة ظلم كبير يقع على الناس جراء هذا القانون الذي بات بحاجة ماسة الى اعادة نظر شاملة، ففي السعودية بدأت في السنوات الاخيرة ورشة إصلاح قانونية هائلة، وآخرها قانون الإعسار الذي حفظ للمستثمرين حقوقهم، وهو ما يساعد على تدفق رؤوس الاموال الاجنبية، على العكس من الكويت التي منذ عام 2009 حتى يومنا هذا لم تجاوز نسبة الاستثمار الاجنبي فيها الصفر، فيما عدد الممنوعين من السفر وصل الى نحو مئة واربعين الفا، وكل هؤلاء يعانون من وقف معاملاتهم في الدوائر الرسمية كافة، بما فيها تجديد رخص السيارات والاقامات، وغيرها من الامور الحياتية الضرورية.
أذكر ان من عادات الكويتيين قديما البيع والشراء بالدين الى نهاية الموسم، سواء أكان موسم الغوص او بيع المواشي، وذلك شجع الكثيرين على العمل في الكويت، قبل هذه التشريعات المؤذية للناس.
اليوم، مثلا، تكون هناك قضية تجارية بين شركتين، فتصدر الاحكام بملاحقة الشركة والحجز على موجوداتها، ويلاحق ايضا ممثلها القانوني، فتحجز الدولة على امواله، ما يؤدي الى تدهور مركزه المالي، ووقوعه تحت عجز، وبدلا من أن يفي بالتزاماته المالية يصبح ملاحقا من مجموعة دائنين فينتهي به المطاف سجينا، وبهذا يخسر الدائن ماله، وتتفاقم أزمة المدين.
هذا الوضع القانوني المعقد جعل الكويت بيئة طاردة للاستثمار، وفي الوقت الذي تبذل القيادة السياسية جهدا جبارا من اجل فتح ابواب العلاقات التجارية والاقتصادية مع مختلف الدول، نجد ان المستثمرين يحجمون عن الدخول الى السوق المحلية فعلى وزارة العدل والمؤسسات المعنية المبادرة الى طرح مشروع قانون عصري يزيل كل هذه العراقيل ويعيد الحيوية الى النشاط الاقتصادي والمالي للبلاد.
من الطبيعي ان تكون هناك معارضة من المستفيدين من القانون الحالي بحجة تحصيل الحقوق، والحقيقة ان هذا كلام حق يراد به باطل، لأن من واجب الدائن حفظ حقوقه بالتأكد من زبائنه وملاءتهم المالية، بينما من واجب الدولة تسهيل الاستثمارات وجذب رؤوس الأموال عبر قوانين مرنة.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

14 + اثنان =