هكذا غيَّرت السعودية التقاليد السياسية الأميركية

هذه هي السعودية صاحبة الأدوار الستراتيجية التي منها تتحدد وجهات الطرق إلى المستقبل، حيث البراغماتية المستندة إلى الحقائق ترسم السياسات بهدوء، وليس الشعارات والعزف على الأوتار العاطفية الذي اتسمت به سياسات غالبية الدول العربية، لذلك فإن 24 مايو الجاري سيكون يوماً مشهوداً في تاريخ العلاقات الدولية، إذ فيه إشارة مهمة إلى تبدل في ستراتيجية الولايات المتحدة الأميركية في ما يتعلق بتقليد راسخ منذ عقود، وهي أن تكون الزيارة الخارجية الأولى للرئيس الجديد إلى دول مجاورة، فيما اليوم دونالد ترامب اختار أن تكون وجهته الأولى المملكة العربية السعودية زعيمة العالمين العربي والإسلامي.
لا شك أن ترامب في خياره هذا يكفر عن ذنب إدارة باراك أوباما التي حاولت استبدال الأدنى بالأعلى، حين سعت إلى إعادة تعويم نظام الملالي عبر رميها لطهران حبل الاتفاق النووي، متجاهلة تماماً مصالحها العميقة مع حلفاء تاريخيين لها، في مقدمهم المملكة العربية السعودية، كما أن ترامب في الرياض سيلتقي قادة عرباً ومسلمين، في تأكيد على المرجعية السعودية.
لا شك أن هذا الإنجاز التاريخي ما كان ليحدث لولا الدور المحوري الذي مارسته إدارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، الذي أثمر فرض الخطوة التاريخية هذه، لذلك ينظر المراقبون إلى قمة الملك سلمان والرئيس ترامب كإعادة تأكيد على العلاقات المميزة التي أسستها قمة الطراد “يو اس اس كوينسي” في العام 1945 بين الملك المؤسس عبدالعزيز والرئيس فرانكلين روزفلت.
في تلك القمة قدم الرئيس الأميركي المصالح على أي أمر آخر، حين قال: “إن للولايات المتحدة مصالح دائمة وليس لها أصدقاء أو أعداء دائمون”، وهو المبدأ الذي اتخذه عدد من القادة الأوروبيين في تعاملهم مع العالم العربي، لا سيما رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، وهو ما عملت عليه جيداً المملكة تاريخياً في علاقاتها مع دول العالم وأكسبها حضورها الدولي.
في القمتين الخليجية-الأميركية والعربية والإسلامية – الأميركية اللتين ستعقدان في الرياض، أيضا، تتجدد في أذهان المراقبين القمم التي أدت إلى ولادة منظمة الأمم المتحدة، رغم اختلاف الدول والمصالح والظروف بين عامي 1945 و2017، لهذا تعتبر قمم الرياض المرتقبة قمم التحولات الإقليمية والدولية.
لقد أثبتت التجربة، خصوصا مع إدارة أوباما أن المصالح هي الأساس في الحركة السياسية، والعالم الذي اعتاد في العقود الماضية سماع الشعارات من العرب، هو اليوم أمام لغة عربية جديدة هي لغة المصالح التي عملت عليها القيادة السعودية وغيرت الكثير من الصورة، ولا شك أن الإدارة الأميركية الجديدة أدركت ذلك وباتت تعرف أن عهد الكيل الأميركي بمكيالين قد ولى مع رحيل أوباما عن البيت الأبيض، لذا كان خروج ترامب على التقليد له أهميته ودلالاته.
لاشك أن المصالح العربية والإسلامية، وفي مقدمها السعودية والخليجية، ستحدد جدول أعمال قمم الرياض المرتقبة، خصوصا أن دونالد ترامب في جولته هذه يحاول ترسيخ صورة مختلفة عن تلك التي ارتسمت في الأذهان أثناء حملته الانتخابية والأيام الأولى من حكمه، وهو تحول مهم جداً.
استنادا إلى هذا ينتظر العالم المواقف التي سيطلقها الرئيس الأميركي في السعودية حيث سينتقل بعدها إلى إسرائيل، ويزور الضفة الغربية وفقا لما أكده الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في اعتراف أميركي صريح بالحقوق الفلسطينية وبداية لإرساء حل إقامة الدولة، وهو ما سيكون أيضا من الثوابت التي يبحثها قادة الدول العربية والإسلامية مع ترامب في الرياض.
هذه الرسائل التي تنطوي عليها زيارة الرئيس الأميركي يجب أن يفهم محتواها جيداً النظام الإيراني الذي يسعى حالياً إلى تأجيج الصراعات الدينية بين أبناء الأمة الواحدة “تمهيداً لظهور المهدي المنتظر” كما يروج قادته وأتباعه وعملاؤه، فعقارب الساعة لن تعود إلى العصور الوسطى حيث كانت الهرطقات تتحكم بمصائر الأوروبيين والذي يعمل نظام الغرور الطاووسي اليوم لإعادة العالم إليها، فهل يدرك قادة طهران، قبل فوات الأوان، أن رهاناتهم خاسرة لا محالة وأن خسارتهم ستزداد أمام الجبهة الدولية الجديدة التي ستتشكل في الرياض؟
نعم، إن هذه الزيارة فرضها الدور السعودي المميز، وستكون فاتحة لزمن جديد، ليس فيه مكان للشعارات الجوفاء والعواطف، إنما تحدد إيقاع حركته المصالح، وهذا سيحسب للسعودية التي كانت وما زالت قطب الرحى في توجيه مسار السياسات الخليجية والعربية والإسلامية.

أحمد الجارالله

Print Friendly