هل جزاء الإحسان إلا الإحسان أمثال إسلامية وعربية... أحداث ومواقف 18

0 12

إعداد – صبري زمزم:
الأمثال العربية كلمات خالدة عبر الزمان ، قيلت مرة في موقف داخل قصة أو حكاية لها أبطال وبطلات مشهورون أو مغمورون ، جرت على ألسنتهم فاستملحتها الأذواق، وربطت بينها وبين القصة الأصلية، وهي مورد المثل، ثم كرروها وأعادوها كلما استجد حدث يتشابه معها، وهو مضرب المثل، وبين المورد والمضرب عصور وأجيال تجتر الأمثال، فتعيد إلى الأذهان القصص الأصلية التي سُك فيها المثل كالعملة المتداولة من يد إلى يد ،ونحن هنا نحاول أن نشير إلى القصة الأصلية وراء كل مثل نذكره،بعضها من كتب الأدب وبعضها ورد في القرآن الكريم وبعضها في الحديث الشريف.

هناك من الآيات ما شاع استخدامها على الألسنة وجرت مجرى الأمثال في كل زمان ومكان وردت فى القرآن في سياق معين ارتبط بها وعندما يحدث ما يشبه هذا السياق إذا بالناس ينطقون بها للتعبير عن لسان الحال الذي هو مضرب المثل الذي يتطابق مع لسان المقال الذي يسمى مورد المثل،ومن ذلك قوله تعالى (هَلْ جَزاءُ الإحْسان إِلاّ الإحْسان ). وذلك ضمن قوله تعالى فى سورة الرحمن:” ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) ”
(ولمن خاف مقام ربه جنتان).
وللمرة الأولى – فيما مر بنا من سور القرآن – تذكر الجنتان. والأظهر أنهما ضمن الجنة الكبيرة المعروفة! ولكن اختصاصهما هنا بالذكر قد يكون لمرتبتهما. وسيأتي في سورة الواقعة أن أصحاب الجنة فريقان كبيران:هما السابقون المقربون. وأصحاب اليمين. ولكل منهما نعيم. فهنا كذلك نلمح أن هاتين الجنتين هما لفريق ذي مرتبة عالية. وقد يكون فريق السابقين المقربين المذكورين في سورة الواقعة. ثم نرى جنتين أخريين من دون هاتين. ونلمح أنهما لفريق يلي ذلك الفريق. وقد يكون هو فريق أصحاب اليمين.
على أية حال فلنشهد الجنتين الأوليين، ولنعش فيهما لحظات!
إنهما (ذواتا أفنان)،والأفنان الأغصان الصغيرة الندية، فهما ريانتان نضرتان،(فيهما عينان تجريان).. فماؤهما غزير، وسهل يسير،(فيهما من كل فاكهة زوجان).. ففاكهتهما منوعة كثيرة وفيرة،وأهل الجنتين ما حالهم؟ إننا ننظرهم: (متكئين على فرش بطائنها من إستبرق)والإستبرق المخمل الحرير السميك. فكيف بظهائر هذه الفرش إذا كانت تلك بطائنها؟
(وجنى الجنتين دان)،قريب التناول، لا يتعب في قطاف،
ولكن هذا لا يستقصي ما فيهما من رفاهة ومتاع، فهناك بقية بهيجة لهذا المتاع.
(فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان).. فهن عفيفات الشعور والنظر، لا تمتد أبصارهن إلى غير أصحابهن، مصونات لم يمسسهن إنس ولا جن،وهن – بعد هذا – ناضرات لامعات:(كأنهن الياقوت والمرجان).
(ومن دونهما جنتان).. وأوصافهما أدنى من الجنتين السابقتين. فهما:
(مدهامتان)، أي مخضرتان خضرة تميل إلى السواد لما فيهما من أعشاب.
(فيهما عينان نضاختان).. تنضخان بالماء، وهذا دون الجريان!
(فيهما فاكهة ونخل ورمان).. وهناك: (من كل فاكهة زوجان)
(فيهن خيرات حسان).. بسكون ياء خيرات أو بتشديدها على الوصف. وتأويل الخيرات بالسكون أو الخيرات بالتشديد في الآية التالية:
(حور مقصورات في الخيام).. وتلقي الخيام ظل البداوة. فهو نعيم بدوي أو يمثل مطالب أهل البداوة.
والحور مقصورات. أما حور الجنتين السابقتين فهن قاصرات الطرف.
(لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان).. فهن يشتركن مع زميلاتهن هناك في الصون والعفاف،أما أهل هاتين الجنتين فنحن ننظرهما:(متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان).. والرفرف الأبسطة وكأنها من صنع [عبقر ] لتقريب وصفها إلى العرب، وقد كانوا ينسبون كل عجيب إلى وادي الجن:عبقر! ولكن المتكآت هناك بطائنها من إستبرق،وهناك جنى الجنتين دان فهما مرتبتان مختلفتان!
وهناك كذلك كان التعقيب بعد كل صفة للجنتين ونعيمهما:(فبأي آلاء ربكما تكذبان )
وفي ختام السورة التي استعرضت آلاء الله في الكون، وآلاءه في الخلق، وآلاءه في الآخرة. يجيء الإيقاع الأخير، تسبيحا باسم الجليل الكريم، الذي يفني كل حي، ويبقى وجهه الكريم.
(تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام).
ذلك كله جزاء من خاف مقام ربه، وعبده كأنه يراه، شاعرا أن ربه يراه، فبلغ بذلك مرتبة الإحسان كما وصفها رسول الله (ص) فنالوا جزاء الإحسان من عطاء الرحمن:(هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟) وفي معرض الإنعام والإحسان، كان التعقيب يجيء في موضعه بعد كل فقرة:(فبأي آلاء ربكما تكذبان؟)
نعم وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟هكذا يقتضي عدلك يا رب وتقتضى حكمتك لم تجعل للإحسان جزاء ولا مثوبة إلا إحسانا مثله، فإحسان العمل يقابله إحسان الجزاء،ولا شيء غير ذلك، لذا صارت هذه العبارة على ألسنة الناس مثلا سائرا على العدل والإحسان في المعاملة ورد الجميل بالجميل حتى يتواصل الخير بين الناس بلا إنكار ولا جحود.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.