هل سيتورط الحرس الثوري الإيراني في المستنقع العراقي؟

داود البصري

بعد التقدم الميداني الكبير للجماعات العراقية المسلحة في مدن شمال و غرب العراق, والهزيمة العسكرية الكبيرة للجيش العراقي, وترك أطنان الأسلحة والمعدات وهروب كبار القادة الى حصونهم في أربيل أو في المنطقة الخضراء, بات واضحا أن الوضع العراقي يتجه الى نهايات مثيرة ومأسوية وساخنة ضمن إطار حالة ترتيب المواقع المؤدية الى التقسيم الطائفي وفقا للخطة القديمة لنائب الرئيس الأميركي جو بايدن و عموم المخطط الأميركي-الغربي بتقسيم العراق الى ثلاثة كانتونات طائفية سقيمة متشاحنة.
تهديدات رئيس الحكومة العراقية بالقضاء على المسلحين عبر تكوين جيش رديف ليس في حقيقته سوى هراء محض لا يستند الى أي عناصر قوة حقيقية, وهو تقليد فج لأسلوب النظام السوري في إقامة اللجان الشعبية من “الشبيحة” والقتلة, فالهزيمة الكبرى التي أحاقت بمؤسسة المالكي العسكرية ليست سهلة, وليس من السهولة تجاوزها, ثم ان طلب المالكي من الرئيس الكردي مساعدته بإرسال “البيشمركة” الكردية لمساندة الجيش العراقي في الدفاع عن كركوك فيه تنازل كبير للأكراد الذين هددهم بالعقاب الصارم بسبب تصديرهم النفط لحسابهم الخاص عبر تركيا, لكنهم اليوم تحولوا عنصرا حاسما في تعزيز صمود المالكي, وبقائه عائما على سطح الحياة السياسية في العراق, وهو يطلب سلطات استثنائية ويخوض الحرب ضد المعارضة العسكرية التي يقودها من دون شك ولا مواربة حزب البعث (جناح عزة الدوري) بقيادات الجيش العراقي السابق التي خططت للعمليات, وأدارت فصولها ومعاركها الميدانية وبالتعاون مع عناصر كثيرة من المتعاونين, والخلايا البعثية الساكنة, التي هي الحواضن الحقيقية لتلك الجماعات التي يقودها جيش الطريقة النقشبندية الموالية لعزة الدوري, وحيث فشلت كل الجهود الاستخبارية العراقية لاقتناص الدوري الذي نجح عبر شبكته الميدانية النشطة بالإفلات من كل حملات المطاردة الأمنية الشرسة من الأميركيين,أو الحكومة العراقية, رغم ضخامة الجائزة المالية المخصصة لرأسه و البالغة عشرة ملايين دولار اميركي!
المخابرات الإيرانية ترصد كل الشوارد في العراق المتشابك, والحرس الثوري الإيراني وهو يخوض معركته الستراتيجية في الشام يرتعب من انكشاف ظهره في العراق, و من التساقط السريع لمواقع حلفائه هناك, وهو اليوم بصدد التقويم السريع للوضع العراقي, وبما يعني أن تدخل فرق الحرس الثوري في العراق بات اليوم قاب قوسين أو أدنى من أجل فك الحصار عن النظام الإيراني, و مساعدة الحلفاء الطائفيين, والتذرع بحكاية حماية الأماكن والمراقد الشيعية المقدسة في العراق, وهي الحجة المناسبة, على ما يبدو, لتوسيع قاعدة التدخل الإيراني أسوة بحكاية وأسطورة الدفاع عن مرقد السيدة زينب في ريف دمشق التي يتخذها “حزب الله” اللبناني وبقية العصابات الإيرانية ذريعة للتدخل في النزاع السوري.
الإيرانيون سيتقدمون بقواتهم بكل تأكيد في العمق العراقي في أكبر فخ ومصيدة سيقعون في براثنها, وسيشاركون في القتال الداخلي العراقي, وسيحمي نظام طهران حدود و مناطق الكانتون الطائفي التابع له, بما يشكل حالة استنزاف عسكري رهيبة للإيرانيين سترتد مؤثراته ونتائجه المباشرة في العمق الإيراني ذاته, وبما يمس أسس وأعمدة النظام الإيراني الوجودية, وإنهاكه, عسكريا واقتصاديا, ضمن حالة الصراع الإقليمي الساخن والمحتدم وفق مقاييس الصراع الدولي في الشرق الأوسط.
إنهيار الجيش سيجعل السلطة العراقية في فراغ قاتل ولن يملأ هذا الفراغ الحليف الأميركي المتوتر الذي يحرك خيوط اللعبة من بعيد, مكتفيا بالتفرج وإطلاق التصريحات الرنانة الخالية من أي فعل حقيقي, كما أن حدود قوة “البيشمركة” الكردية محدودة أصلا ولا تصلح أساسا لأن تكون القوة المركزية للدولة العراقية, لذلك فإن قوات الحرس الثوري الإيراني هي البديل الستراتيجي للسلطة العراقية المتآكلة, والتي تتسع قاعدة الخرق في قواعدها, وهي سلطة قد تكون آخر حكومة مركزية في تاريخ العراق بعد عصر التقسيم المقبل القريب.
سيكون مشهد كتائب الحرس الثوري الإيراني في شوارع العاصمة العراقية واحدا من أشد المشاهد إثارة ودموية في بغداد الرشيد منذ عصر الهيمنة البويهية على الخلافة العباسية في القرن الرابع الهجري… العراق مقبل على ملاحم دموية رهيبة وحتمية!
* كاتب عراقي
[email protected]

Print Friendly