هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة لا يُشتَكى قِصَرٌّ مِنها ولا طُولٌ محبرة وقلم

0 899

هذا هو الوصف الذي ما بعده وصف، انه ليصف جمالا يفوق الوصف نفسه، فهي إن أقبلت ضامرة البطن، دقيقة الخصر، وإن أدبرت فثقيلة الردفين، تنوء من ثقل أردافها، كما أنها وافية الطول، وأجمل ما تكون عليه المرأة أن تكون بين الطول والقصر ، وهذا البيت ضمن قصيدة نهج البردة التي امتدح بها كعب بن زهير رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالها بين يديه في مسجده بعد صلاة الفجر بحضور المهاجرين والأنصار.
وعدد أبياتها تسع وخمسون بيتا وهي من البحر البسيط وسبب تسميتها البردة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى ببردته إلى كعب بن زهير إعجابا بشعره وإليكم أبيات القصيدة التي تعد من فاخر المديح:

بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ
مُتَيَّمٌ إِثرَها لَم يُفدَ مَكبولُ
وَما سُعادُ غَداةَ البَينِ إِذ رَحَلوا
إِلّا أَغَنُّ غَضيضُ الطَرفِ مَكحولُ
هَيفاءُ مُقبِلَةً عَجزاءُ مُدبِرَةً
لا يُشتَكى قِصَرٌ مِنها وَلا طولُ
تَجلو عَوارِضَ ذي ظَلمٍ إِذا اِبتَسَمَت
كَأَنَّهُ مُنهَلٌ بِالراحِ مَعلولُ
شُجَّت بِذي شَبَمٍ مِن ماءِ مَعنِيَةٍ
صافٍ بِأَبطَحَ أَضحى وَهُوَ مَشمولُ
تنفي الرِياحُ القَذى عَنُه وَأَفرَطَهُ
مِن صَوبِ سارِيَةٍ بيضٍ يَعاليلُ
أكْرِمْ بِها خُلّةً لو أنها صدقت
موعودها أَو لَو أَنَّ النُصحَ مَقبولُ
لَكِنَّها خُلَّةٌ قَد سيطَ مِن دَمِها
فَجعٌ وَوَلعٌ وَإِخلافٌ وَتَبديلُ
فَما تَدومُ عَلى حالٍ تَكونُ بِها
كَما تَلَوَّنُ في أَثوابِها الغولُ
ولا تَمَسَّكُ بالعهد الَّذي زَعَمَت
إِلّا كَما تُمسِكُ الماءَ الغَرابيلُ
فَلا يَغُرَّنَكَ ما مَنَّت وَما وَعَدَت
إِنَّ الأَمانِيَ وَالأَحلامَ تَضليلُ
كَانَت مَواعيدُ عُرقوبٍ لَها مَثَلاً
وَما مَواعيدُها إِلّا الأَباطيلُ
أَرجو وَآمُلُ أَن تدنو مودتها
وما إخال لدينا منك تنويل
أَمسَت سُعادُ بِأَرضٍ لا يُبَلِّغُها
إِلّا العِتاقُ النَجيباتُ المَراسيلُ
وَلَن يُبَلِّغها إِلّا عُذافِرَةٌ
لها عَلى الأَينِ إِرقالٌ وَتَبغيلُ
مِن كُلِّ نَضّاخَةِ الذِفرى إِذا عَرِقَت
عُرضَتُها طامِسُ الأَعلامِ مَجهولُ
تَرمي الغُيوبَ بِعَينَي مُفرَدٍ لَهَق
إِذا تَوَقَدَتِ الحُزّانُ وَالميلُ
ضَخمٌ مُقَلَّدُها فَعَمٌ مُقَيَّدُها
في خَلقِها عَن بَناتِ الفَحلِ تَفضيلُ
غلباء وجناء علكوم مذكرة
في دفها سعة قدامها ميل
وجلدها من أطوم لا يؤيسه
طلح بضاحية المتنين مهزول
حَرفٌ أَخوها أَبوها مِن مُهَجَّنَةٍ
وَعَمُّها خَالُها قَوداءُ شِمليلُ
يَمشي القُرادُ عَلَيها ثُمَّ يُزلِقُهُ
مِنها لَبانٌ وَأَقرابٌ زَهاليلُ
عَيرانَةٌ قُذِفَت في اللَحمِ عَن عُرُضٍ
مِرفَقُها عَن بَناتِ الزورِ مَفتولُ
كَأَنَّ ما فاتَ عَينَيها وَمَذبَحَها
مِن خَطمِها وَمِن اللَحيَينِ بَرطيلُ
تَمُرُّ مِثلَ عَسيبِ النَخلِ ذا خُصَلٍ
في غارِزٍ لَم تَخَوَّنَهُ الأَحاليلُ
قَنواءُ في حُرَّتَيها لِلبَصيرِ بِها
عِتقٌ مُبينٌ وَفي الخَدَّينِ تَسهيلُ
تَخدي عَلى يَسَراتٍ وَهيَ لاحِقَةٌ
ذَوابِلٌ وَقعُهُنُّ الأَرضَ تَحليلُ
سُمرُ العُجاياتِ يَترُكنَ الحَصى زِيَماً
لَم يَقِهِنَّ رُؤوسَ الأُكُمِ تَنعيلُ
كَأَنَّ أَوبَ ذِراعَيها وَقَد عَرِقَت
وَقَد تَلَفَّعَ بِالقورِ العَساقيلُ
يَوماً يَظَلُّ بِهِ الحَرباءُ مُصطَخِماً
كَأَنَّ ضاحِيَهُ بِالنارِ مَملولُ
وَقالَ لِلقَومِ حاديهِم وَقَد جَعَلَت
وُرقُ الجَنادِبِ يَركُضنَ الحَصى قيلوا
شَدَّ النهارُ ذِراعاً عَيطلٍ نَصَفٍ
قامَت فَجاوَبَها نُكدٌ مَثاكيلُ
نَوّاحَةٌ رَخوَةُ الضَبعَين لَيسَ لَها
لَمّا نَعى بِكرَها الناعونَ مَعقولُ
تَفِري اللِبانَ بِكَفَّيها وَمِدرَعِها
مُشَقَّقٌ عَن تَراقيها رَعابيلُ
يَسعى الوُشاةُ بِجَنبَيها وَقَولُهُم
إِنَّكَ يَا بنَ أَبي سُلمى لَمَقتولُ
وَقالَ كُلُّ خَليلٍ كُنتُ آمُلُهُ
لا أُلفِيَنَّكَ إِنّي عَنكَ مَشغولُ
فَقُلتُ خَلّوا سبيلي لا أَبا لَكُمُ
فَكُلُّ ما قَدَّرَ الرَحمَنُ مَفعولُ
كُلُ اِبنِ أُنثى وَإِن طالَت سَلامَتُهُ
يَوماً عَلى آلَةٍ حَدباءَ مَحمولُ
أُنبِئتُ أَنَّ رَسولَ اللَهِ أَوعَدَني
وَالعَفُوُ عِندَ رَسولِ اللَهِ مَأمولُ
وقد أتيت رسول الله معتذرا
والعذر عند رسول الله مقبول
مَهلاً هَداكَ الَّذي أَعطاكَ نافِلَة
القرآن فيها مواعيظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم
أُذِنب وَلَو كَثُرَت عَنّي الأَقاويلُ
لَقَد أَقومُ مَقاماً لَو يَقومُ بِهِ
أَرى وَأَسمَعُ ما لَو يَسمَعُ الفيلُ
لَظَلَّ يُرعَدُ إِلّا أَن يَكونَ لَهُ مِنَ
الرَسولِ بِإِذنِ اللَهِ تَنويلُ
حَتّى وَضَعتُ يَميني لا أُنازِعُهُ
في كَفِّ ذي نَقِماتٍ قيلُهُ القيلُ
لَذاكَ أَهَيبُ عِندي إِذ أُكَلِّمُهُ
وَقيلَ إِنَّكَ مَسبورٌ وَمَسؤولُ
من خادر من ليوث الأسد مسكنه
من بطن عثر غيل دونه غيل
يَغدو فَيَلحَمُ ضِرغامَين عَيشُهُما
لَحمٌ مِنَ القَومِ مَعفورٌ خَراذيلُ
إذا يُساوِرُ قِرناً لا يَحِلُّ لَهُ
أَن يَترُكَ القِرنَ إِلّا وَهُوَ مَفلولُ
مِنهُ تَظَلُّ سباع الجو ضامِرَة
وَلا تُمَشّي بِواديهِ الأَراجيلُ
وَلا يَزالُ بِواديِهِ أخَو ثِقَةٍ
مُطَرَّحُ البَزِّ وَالدَرسانِ مَأكولُ
إِنَّ الرَسولَ لَنورٌ يُستَضاءُ بِهِ
مُهَنَّدٌ مِن سُيوفِ اللَهِ مَسلولُ
في فتية مِن قُرَيشٍ قالَ قائِلُهُم
بِبَطنِ مَكَّةَ لَمّا أَسَلَموا زولوا
زَالوا فَمازالَ أَنكاسٌ وَلا كُشُفٌ
عِندَ اللِقاءِ وَلا ميلٌ مَعازيلُ
شُمُّ العَرانينِ أَبطالٌ لَبوسُهُمُ
مِن نَسجِ داوُدَ في الهَيجا سَرابيلُ
بيضٌ سَوابِغُ قَد شُكَّت لَها حَلَقٌ
كَأَنَّها حَلَقُ القَفعاءِ مَجدولُ
يَمشون مَشيَ الجِمالِ الزُهرِ يَعصِمُهُم
ضَربٌ إِذا عَرَّدَ السودُ التَنابيلُ
لا يَفرَحونَ إِذا نالَت رِماحُهُمُ
قَوماً وَلَيسوا مَجازيعاً إِذا نيلوا
لا يَقَعُ الطَعنُ إِلّا في نُحورِهِمُ
ما إِن لَهُم عَن حِياضِ المَوتِ تَهليلُ
أما صاحب الأبيات فهو كعب بن زهير بن أبي سلمى المزيني أحد كبار الشعراء المخضرمين، كنيته “أبو المضرب” وكان قد هجا الإسلام والمسملين، فأهدر دمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء إليه مستأمنا فآمنه النبي صلى الله عليه وسلم وانشد كعب لاميته المشهورة، وبايعه على الاسلام.
وظلت بردة النبي عنده ثم عند أبنائه ثم اشتراها معاوية بن أبي سفيان منهم بمائة ألف درهم، ثم ظلت البردة عند الخلفاء الأمويين، وبعد سقوط الدولة الأموية، اخذها الخلفاء العباسيين حتى زوال دولتهم، فصارت لخلفاء الدولة العثمانية، ومن قصائد كعب بن زهير الجميلة:
لو كنت أعجب من شيء لاعجبني
سعي الفتى وهو مخبوء له القدر
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها
والنفس واحدة والهم منتشر
والمرء ما عاش ممدود له أمل
لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر
ويعد كعب من فحول الشعراء، فشعره جزل الألفاظ، قوي المعاني لا يخلد من الحكمة، ورث الشعر عن والده زهير بن أبي سلمى، وقد حسن اسلام كعب لما أسلم، وكان أخوه بجير سبقه الى الاسلام، وهو الذي حثه على الاسلام، روى صاحب الأغاني بسنده أن زهيرا والد كعب رأى رؤيا فقال لابنائه رأيت اتيا أتاني في المنام فحملني إلى السماء حتى كدت امسها بيدي، ثم تركني فهويت إلى الأرض، واني لا اشك انه كائن من خبر السماء بعدي شيء، ف إن كان فتمسكوا به وسارعوا اليه، فأسلم بجير ابنه وتأخر إسلام كعب إلى اليوم الموعود توفي كعب بن زهير سنة 24 هـ.
كاتب كويتي

You might also like