… وأخيراً غادر المحارب القديم

0

أ.د. محمد الدعمي

رغم أنه لم يفلح في أن يظفر بالبيت الأبيض في دورتين انتخابيتين، لم يغادر السيناتور الأميركي المخضرم جون ماكين (81 سنة) الحياة، إلا على عربة من التمجيد وإثارة الجدل، فهو كرمز للوطنية الأميركية، حاول جاهداً رأب الصدع التنافري بين الحزبين الرئيسيين الحاكمين في الولايات المتحدة الأميركية، الجمهوري، الذي ينتمي إليه، والديمقراطي، الذي ينافسه.
وإذا كانت كلمة التأبين التي القيت قبيل دفنه أي أثناء جنازة كبيرة، ساهم بحضورها رؤساء عدة وأعضاء كثيرون في الكونغرس، وقدمت من قبل جو بايدن، نائب الرئيس الأميركي (الديمقراطي) السابق باراك أوباما، فانها كرست الشعور بقوة وطنيته العابرة للجدران الحزبية داخل الكونغرس، بل وخارجه كذلك، لأن حركات المتوفي المكوكية السابقة بين أعضاء الحزبين داخل الكونغرس، إنما تشكل بينة على أن وطنيته وحبه لأميركا لا يعتدان بالفروقات الحزبية، بقدر إعتدادهما بالمصلحة الأميركية القومية العليا، بل، أن هذا ما يفسر سر رحلاته المتكررة الى الحدود العراقية- السورية (اي الى المناطق التي كانت “عناصر الدولة الإسلامية” تتجحفل فيها على نحو معسكرات تدريب وإعادة تنظيم ومقار قيادة، علماً بأنه قد قام بهذه الرحلات التي تعد خطراً شخصياً على حياته في عهد رئيس ديمقراطي، ينبغي أن لا يحظى بتأييد هذا السيناتور الجمهوري، جون ماكين. بيد أن رسالته الأساس الى الإدارة الأميركية، آنذاك، إنما هي التنويه الى أن خطر الإرهاب في المناطق المتاخمة بين العراق وسورية كان جدياً بحق، بدليل ما حدث على الأرض من سيطرة شبكة الدولة الإسلامية الإرهابية على الموصل بعد حين، ثم وسيطرتها على بلدات عراقية وسورية أخرى من آنٍ لآخر.
والحق، فان السيناتور المغادر، ماكين، رحمه الله، إنما كان يرنو الى تكريس صورة الضباط القدامى الذين ضحوا بكل شيء من أجل أوطانهم، كما فعل هو شخصياً عندما أسقطت طائرته القاصفة، المغيرة على فيتنام الشمالية من قبل المضادات الأرضية كي يلقى القبض عليه، أسيراً.
وقد بقي تحت التعذيب في الأسر لما لا يقل عن ست سنوات تحت رحمة الـ”فيتكونغ”، علماً ان الفيتناميين، وقتذاك، قد عرضوا عليه العودة الى بلاده، حراً، إلا أنه أبى ذلك، مشترطاً عودته مع سواه من زملائه الأسرى الأميركان المحجوزين لدى الفيتناميين، فدفع بذلك ست سنوات من شبابه في الأسر.
وإذا كانت أصداء هزيمته أمام سرطان الدماغ قد حلت كقنبلة إعلامية في أميركا، إلا أن الرجل لم يغادر من دون إثارة الجدل حول سيرته ومنجزاته الوطنية، ومن أهمها رفضه التصويت بالإيجاب (داخل الكونغرس) على إلغاء “قانون أوباما” للتأمين الصحي، ذلك القانون الذي أراد الرئيس الحالي دونالد ترامب إلغائه بمثابة إمضاءً شخصياً، إلا أن الرئيس ترامب قد بقي محافظاً على شيء من الغل والتحامل ضد السيناتور ماكين بعدئذ، وهذا هو السر الذي جعل فضائيات الأخبار تتناقل (بشيء من الإستغراب والإستهجان) عدم تنكيس العلم الأميركي المرفرف فوق البيت الأبيض بعد وفاته، وعلى العكس من جميع الأعلام المنكسة عبر الولايات الأميركية جميعاً تأبيناً لمغادرته.
ورغم تراجع الرئيس ترامب عن قراره هذا، فانه لم يزل يتذكر رفض الفارس المترجل، ماكين، حضور الرئيس جنازته وتأبينه، بشيء من الضغينة.
كاتب وباحث أكاديمي عراقي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

7 + اثنا عشر =