محبرة وقلم

“وأذكر أيام الحمى ثم أنثني على كبدي من خشية أن تصدعا” محبرة وقلم

مشعل عثمان السعيد

مشعل عثمان السعيد*
بيت شعر حزين به من اللوعة والأسى الشيء الكثير، يظهر من خلاله حبا صادقاً، يتذكر هذا الشاعر من أحب حين كانت منازله قريبة، يراها متى شاء إلا أنها اصبحت الآن أثرا بعد عين, رحلوا وأبعدوا الشقة وتركوه يعاني أشد المعاناة، ينظر Nلى منازلهم متذكراً ما كانا عليه من ألفة وتواصل, فيزداد ألما وحسرة حتى أنه ينثني على كبده خوفا من أن تتشقق. عبارات واضحة سلسلة عذبة فصيحة بها عاطفة صادقة نابعة من قلب مكلوم، وفكر مهموم قالها الصمة القشيري، ونسبه كما ورد في الأغاني ووفيات الأعيان والمنتظم: الصمة بن عبدالله بن قرة بن هبيرة بن عامر بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة العامري، شاعر غزل بدوي من شعراء العصر الأموي، كانت منازل قومه ببادية العراق، ويعد الصمة من الشعراء المقلين، وجده قرة بن هبيرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه وفد عليه وبايعه.
أحب الصمة ابنة عمه العامرية بنت غطيف بن حبيب بن قرة بن هبيرة، فخطبها إلى أبيها فأبى أن يزوجه إياها، وزوجها بشر بن أبي براء بن مالك، فوجد بها وجدا شديداً وحزن على زواجها من غيره، وقال الأشعار التي سارت بها الركبان رغم قلتها ومنها أبياته العينية التي يقول فيها:
“حننت إلى ريا ونفسك باعدت
مزارك من ريا وشعباكما معا
فما حسن أن تأتي الأمر طائعا
وتجزع أن داعي الصبابة أسمعا
قفا ودعا نجدا ومن حل بالحمى
وقل لنجد عندنا أن يودعا
ألا ليس أيام الحمى برواجع
عليك ولكن خل عينيك تدمعا
بكت عيني اليسرى فلما زجرتها
عن الجهل بعد الحلم اسبلتا معا
وأذكر أيام الحمى ثم انثني
على كبدي من خشية أن تصدعا
ألا يا خليلي اللذين تواصيا
بلومي إلا أن أطيع وأتبعا
فإني وجدت اللوم لا يذهب الهوى
ولكن وجدت اليأس أجدى وانفعا”.
وهي أبيات تعد من روائع الشعر العربي، ورغم أن شعر الصمة ليس بالكثير إلا أن جودته تغني عن كثرته. ثم فارق دياره وتوجه إلى الشام واستقبل هناك بكل حفاوة وتكريم، والتحق بالجيش الإسلامي الذي كان يقاتل الديلم، وأمضى بقية عمره جنديا يقاتل في سبيل الله، وتوفي في طبرستان العام 95 هـ في خلافة الوليد بن عبدالملك بن مروان، أما جده قرة بن هبيرة فهو أحد وجوه العرب، ذكره صاحب الاصابة في تمييز الصحابة فقال: وفد على رسول الله صلى الله وسلم وقال له: إنه كان لنا ربات وأرباب نعبدهن من دون الله، فبعثك الله فدعوناهن فلم يجبن، وسألناهن فلم يعطين، وجئناك فهدانا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح من رزق لبا. فقال: يا رسول الله، أكسني ثوبين قد لبستهما، فكساه. ولما كانت حجة الوداع، لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا قره، كيف قلت حيث لقيتني، فأعاد قرة ما قاله، فقال له: قد أفلح من رزق لبا مرتين.
وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد قرة بن هبيرة عن الإسلام فأسره خالد بن الوليد، وشد وثاقه وبعث به إلى أبي بكر الصديق، فقال قرة: والله يا خليفة رسول الله ما كفرت، واسأل عمرو بن العاص فإن لي عنده شهادة فعفا عنه وكتب له أمانا.
وبالعودة إلى شاعرنا الصمة بن عبدالله فقد روى عبدالعزيز بن أبي ثابت عن رجل من أهل طبرستان قال: بينما كنت أسير يوما في ضيعة لي فيها ألوان من الفاكهة والزعفران، إذا بإنسان مطروح عليه أهدام خلقان، وفدنوت منه فإذا هو يتحرك ولا يتكلم. فأصغيت له فإذا هو يقول:
“تعز بصبر لا وجدك لا ترى
بشام الحمى أخرى الليالي الغوابر
كأن فؤادي من تذكرة الحمى
وأهل الحمى يهفو به ريش طائر”.
فما زال يردد هذين البيتين حتى فاضت نفسه، فسألت عنه ، فقيل لي : هذا الصمة بن عبدالله القشيري.
ومن العجائب أن سبب رفض عمه لزواجه من ابنته نقصان عدد الإبل التي ساقها الصمة بعيرا واحداً، حيث قال: لا أخذها إلا كاملة فغضب أبو الصمة، وأقسم لايزيد على ماساقه شيئا، فكان الصمة ضحية ذلك، وقال لأبيه وعمه: تالله ما رأيت قط ألأم منكما وإني لألأم منكما إن أقمت بينكما، ثم ركب ناقته ورحل إلى الشام.
أكتفي بهذا القدر.
جف القلم ونشفت المحبرة، في آمان الله
* كاتب كويتي
Mshal.AlSaed@gmail.com