“وإنِّي لتنهاني خلائق أربع عن الفُحش فيها للكريم روادع” محبرة وقلم

0

مشعل عثمان السعيد

كل إنسان ذي خلق يفرض احترامه على الناس، لاشك في ذلك، ومن كان عكس ذلك فلا يحترمه أحد، بل يحتقره الصغير، ويزدريه الكبير، ولنا في رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم القدوة الحسنة فقد وصفه الله تعالى بقوله “وإنك لعلى خلق عظيم”القلم-٤، وقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، رواه ابن ماجة، يقول أبوالأسود الدؤلي في هذا المعنى:
وإني ليثنيني عن الجهل والخنا
وعن شتم ذا القربى خلائق أربع
حياء، وإسلام، وتقوى وإنني
كريم، ومثلي قد يضر وينفع
فشتان ما بيني وبينك إنني
على كل حال استقيم وتظلع
وحسن الخلق ليس كمثله شيء، ومن وصايا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لأبي هريرة: “يا أبا هريرة، عليك بحسن الخلق، قال أبوهريرة رضي الله عنه: وما حسن الخلق يا رسول الله؟ قال: تصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك” رواه البيهقي، ومن صفات حسن الخلق: الحياء، صدق اللهجة، قلة الأذى، الصلاح، قلة الكلام، البر والصلة، الوقار والصبر والحلم والقناعة والبشاشة والعفة والشفقة وغيرها الكثير، سئل الحسن البصري عن حسن الخلق فقال: “بذل المعروف، وكف الأذى، وطلاقة الوجه”.
وقال الأحنف بن قيس التميمي وكان على جانب عظيم من الحلم: ألا أخبركم بأدوأ الداء؟ قالوا: بلى، قال: الخلق الدنيء، واللسان البذيء (انتهى)، ومن محاسن الخلق اختيارك لصديقك، يقول البختري بن أبي صفرة الأزدي:
وإني لتنهاني خلائق أربع
عن الفحش فيها للكريم روادع
هذا الشاعر ينهاه عن السوء في قوله وفعله أمور أربعة، هذه الأمور جعلها منهجاً له وطريقاً يسلكه، فما هي هذه الأمور التي تزجره؟ يقول:
حياء، وإسلام وشيب وعفة
وما المرء إلا ما حبته الطبائع
ما أجمل هذه الأخلاق التي تمسك بها هذا الشاعر، ذكر الحياء وهو شعبة من الايمان، والحياء أيها السادة الاحتشام، ولاشك أن الحياء يردع المرء من مداناة السوء والمساس بالحشمة، ثم يذكر الإسلام، والإسلام مبني على حسن الخلق، ثم الشيب، وكلما تقدمت السن بالإنسان زادت خبرته في الحياة ونهى نفسه عن كل ما يشينها، وأخيراً ذكر العفة وهي طهارة الجسد، والامتناع عن اللذات الجسدية غير المشروعة، وترك الشهوات، وهو امتناع اختياري خوفاً من الله تعالى.
هذه الأبيات الجميلة بعثها البختري بن أبي صفرة لأخيه الامير المهلب بن أبي صفرة، وفي رواية أخرى أنه ابنٌ للبختري، وكان أكمل فتيان العرب جمالاً وبياناً ونجدة وشعراً، وكان أبناء المهلب حسدوه على ذلك وأكثروا القول فيه عند ابيهم المهلب، فتغير عليه ولاحظ البختري ذلك في وجهه ، فقال يعاتبه:
جفوت امرأ لم ينب عما تريده
وكان إلى ما تبتغيه يسارع
تموت حفاظا دون ضيمك نفسه
وأنت إلى ما ساءه متطالع
كأني أخو ذنب وما كنت مذنباً
ولكن دهتني الساريات الشبادع
(الشبادع: النمائم، والشبادع: العقارب، واحدها: شبدعة)
ثم يقول بعد ذلك:
وقد كنت في عصر الشباب مجانباً
صباي وأني الآن والشيب طالع
فلا تقطعنَّ مني وشائج سهمه
فلا يصل الأبناء ما أنت قاطع
وكافح بإجرامي الهياج إذا التظى
شهاب من الموت المحرق لامع
فرضي المهلب عنه، والحقيقة انني لم اعثر على ترجمة وافية للبختري سوى ما ذكرته، ولابد لنا من الوقوف مع الشخصية الفذة: المهلب بن أبي صفرة، الامير القائد الفاتح، وهو أبو سعيد المهلب بن ابي صفرة ( ظالم) بن سراق بن صبح بن كندي بن عمرو الأزدي العتكي كاسر جموع الخوارج (الأزارقة) المشهور بشجاعته وجوده وسياسته وقيادته ودهائه في الحروب.
ولد في مدينة دبا في عمان ونشأ في البصرة، كان أول بزوغ نجمه مع قيام دولة عبدالله بن الزبير في مكة المكرمة، فقد قويت شوكة الخوارج واقتربوا من البصرة فخاف أهلها منهم خوفاً شديداً فسألوا عبدالله بن الزبير أن يرسل لهم رجلاً بصيراً بالحرب يقاتل الخوارج فكتب أمير المؤمنين عبدالله بن الزبير إلى المهلب بن أبي صفرة، وكان والياً على خراسان أن يتولى قتال الخوارج الأزارقة، فسار المهلب اليهم وهزمهم وقتل أكثرهم، ومن بين من قتل أمير الخوارج عبيد الله بن الماحوز، وهربوا إلى نواحي كرمان وأصفهان، ولما قامت دولة عبدالملك بن مروان وبويع بيعة الجماعة عرف له كفايته وحسن سياسته، فطلب منه متابعة قتال الخوارج وملاحقتهم فقاتلهم أكثر من سنتين حتى استطاع أن يبيدهم ويفرق جمعهم، وولاه عبدالملك على خراسان، وبقي والياً عليها حتى توفي سنة 82هـ، وولي خراسان بعد وفاته ابنه يزيد بن المهلب، وقد وصفه المحدث ابو اسحاق السبيعي فقال عنه: ” لم أر أميراً أيمن نقيبة ولا أشجع لقاء ولا أبعد مما يكره ولا أقرب مما يحب من المهلب”.
وقال عنه عدوه أمير الخوارج قطري بن الفجاءة: “المهلب من عرفتموه أن أخذتم بطرف ثوب أخذ بطرف الآخر، يمده اذا أرسلتموه ويرسله اذا مددتموه، ولا يبدؤكم إلا أن تبدؤوه، وان رأى فرصة انتهزها ، فهو الليث المبر والثعلب الرواغ والبلاء المقيم”، وقال نهار بن توسعة يرثيه:
ألا ذهب الغزو المقرب للغنى
ومات الندى والحزم بعد المهلب
أقام بمرو الروذ رهن ترابه
وقد غيبا عن كل شرق ومغرب
اذا قيل أي الناس أولى بنعمه
على الناس قلناه ولم نتهيب
أباح لنا سهل البلاد وحزنها
بخيل كإرسال القطا المتسرب
بقي أن أقول لكم إن بيت الشعر عنوان الموضوع، هناك من يذكر أن قائله يزيد بن الحكم الثقفي، أحد شعراء بني أمية.
أكتفي بهذا القدر.
جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله.

كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

ثمانية + اثنا عشر =