وجع العراق وجعنا أيضاً

ان يخرج العراق من جحيم الفساد مطلب عراقي وعربي, بل عالمي, وربما استشرفت كل الدوائر المعنية ما كان مقبلاً عليه من انهيار على شتى الصعد, لذلك كان الاتفاق الصعب, اقليميا وعربيا ودوليا, على تولي الدكتور حيدر العبادي رئاسة الوزراء, اذ لم يكن سهلا ازاحة رأس اخطبوط الفساد نوري المالكي من منصبه جراء الترابط العضوي بينه وبين مراكز القوى الامنية والسياسية, لأنه طوال سنوات حكمه كان يعمل على تحويل الدولة مزرعة, وساهم قصدا بدفع بلاده الى اتون حرب طائفية طاحنة.
مع الاسف ان ما حدث خلال السنوات الـ12 الماضية في هذا البلد الجار والعزيز, جعله يدخل نفق الفقر والتخلف وكأنه لايزال يعيش في القرن العاشر الميلادي, ففي الوقت الذي يصل الناتج القومي الى 240 مليار دولار نجد 30 في المئة من العراقيين يعيشون تحت خط الفقر, بينما عشرات المليارات هربها مقربون من المالكي ونافذون في السلطة الى الخارج, والاسوأ من كل ذلك الحال المزرية التي بان عليها الجيش في الموصل والمناطق التي استولى عليها “داعش” في غضون ساعات, اذ بعد انفاق عشرات المليارات على التدريب والتسليح اتضح ان هذه المبالغ الهائلة ذهبت الى جيوب المنتفعين, ما ساهم اكثر باستفحال الميليشيات الطائفية, وكأن الهدف تمزيق البلد وجعله محميات طائفية.
أليس من المحزن والمؤلم اليوم أن نشهد بغداد عاصمة الدولة الاسلامية ومصدر المعرفة والحضارة غابراً, الضاجة نهاراً بأنشطة العمل والصاخبة ليلاً بأضوائها وسهراتها, مزنرة بأحزمة البؤس والفقر, وان يتحول العراق كله الى ما يشبه معسكرا للنازحين, فيما كان ممكنا ان يصبح جنة من جنات عدن?!
لهذا ربما كانت الصرخة الشعبية عالية جدا لانها تعبر عن وجع أكبر, ما دفع بالرئيس حيدر العبادي الى اتخاذ سلسلة قرارات جريئة معبرة عن آمال الناس في محاربة الفساد, لكنها, وكما قال رئيس مجلس النواب سليم الجبوري “لا تكفي لان مشروع الاصلاح ليس سهلا, بل هو طويل يحتاج الى تكاتف الجهود كافة”.
المطلوب من المسؤولين العراقيين أولاً وأخيراً العمل على علاج بلدهم من مرض المحاصصة اللبنانية التي انتقلت عدواها اليه, فاذا كان لبنان غرق في الفراغ المؤسساتي بسبب زعماء اما ضعفاء او جبناء او لانهم يقدمون المجاملات على المصلحة الوطنية, وهو ما جعل حزبا مثل “حزب الله” يهيمن على كل شيء فيه لان من يقول له “لا” يقتله, فان حيدر العبادي ليس بحاجة الى المجاملات, ويستطيع بمساعدة مجلس النواب ابعاد بلاده عن طريق الصوملة, وإخراجه من دوامة الفساد والعنف.
صحيح ان ما يجري اليوم جزء منه ذو جذور تاريخية تعود الى انقلاب العام 1958 وجرائم القتل البشعة التي ارتكبت ضد الملك فيصل ونوري السعيد وأركان الدولة, آنذاك, وكذلك ما تسببت به ممارسات صدام حسين لاحقا, الا ان كل هذا لا يبرر المشهد المرعب الذي وصلت اليه بلاد الرافدين, التي هي اليوم على ابواب ثورة اشبه بالثورة المصرية, الا ان الفارق هو عدم وجود جيش عراقي قوي كنظيره المصري ليحمي الثورة الشعبية وينهي عصر نهب الدولة, لكن اذا ثبت العبادي على قراراته ولم يخضع للضغوط, وأقفل ابوابه بوجه دول, كإيران, تسعى الى تفكيك الدولة والمؤسسات, فانه يستطيع ان يجد القوة الشعبية والنيابية التي تسانده وتحمي قراراته, فهل يعقل ان يجوع العراقيون وأن يعيشوا بلا امن ولا كهرباء ولا حتى ابسط الخدمات, فيما قلة قليلة من المسؤولين المتسلطين يكدسون ثروات منهوبة من افواههم? والله انها قصة محزنة لبلد عظيم.

أحمد الجارالله

Print Friendly