وجه ابن فهرة محبرة وقلم

0 243

مشعل عثمان السعيد

“وجه ابن فهرة” عبارة قديمة، ولكن ابن فهرة موجود في كل زمان ومكان، وهو الانسان الذي لا يستحي ووجهه عريض، واذا لم تستح فاصنع ما بدا لك، لأن الناس لن تُعيرك اهتماما ولن يكون لك قدر عندهم وابن فهرة اللي يعرض وجهه لابد ان يكون طماعا، ومثلما يقال هذه الايام: منجب، ولابد ان يكون كاذبا ولا يستحي من الكذب حتى لو علم انك تعرف انه كاذب، لا يبالي بشيء، حتى وإن أخطأ، وجهه مغسول بمرق، كما أنك تلاحظ الطمع في عينيه، لا يعرف الحياء مع ان الحياء شعبة من شعب الايمان، ربما أساء الى من امامه غير آبه بذلك، على الرغم من أن الحياء لا يأتي الا بالخير، وقد روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “إن مما ادرك الناس من كلام النبوة الاولى: اذا لم تستح فاصنع ما شئت”، والطمع والدناءة وعدم الحياء والبجاحة اخوة لأم وأب.
بعض الناس يظنون ان من لا يستحي هو من يظفر بحاجته وهذا الامر غير صحيح، وكان اشعب الطمع لا يعرف الحياء ينام ويخرج يده من الباب وهو نائم لعل احدا يرى يده فيضع فيها شيئا وكان قد زار بيت الله الحرام فمر في مجالس قريش فما من أحد الا وأعطاه شيئا، ثم وقف امام الكعبة المشرفة ورفع يديه مبتهلا سائلا الله ان ينزع من نفسه الطمع وعدم الحياء، ولما انتهى من دعائه عاد من حيث اتى ومر على مجالس قريش فلم يعطه احد شيئا ولما عاد الى منزله سألته امه: ما اعطاك القرشيون؟ فقال لم يعطني احد شيئا، فسألته امه عن السبب، فأخبرها بدعائه عند الكعبة المشرفة فغضبت غضبا شديدا، وأقسمت عليه الا عاد الى الكعبة واستقال الله تعالى من هذا الدعاء، ذهب ثانية ووقف امام الكعبة واستقال الله من دعائه وعاد فما من مجلس مرَّ به الا وأعطوه شيئا.
ويروى ايضا ان اعرابياً دخل المدينة واميرها ابان بن عثمان، وكان مع الاعرابي ناقة نادرة، فأراد ابان ان يعبث بالاعرابي فلم يجد وجه بن فهرة الا اشعب، فطلب ان يأتي بالاعرابي وناقته فجاء به اشعب، سلم الاعرابي على ابان بالامارة، فطلب منه الجلوس الى جانبه وسأله: ممن أنت؟ فقال: من بني فلان، فهش في وجهه ورحب به وقال له: حبيب قريب من اخوالي، فرح الاعرابي بما قال له أبان، فأشار ابان الى اشعب فخرج ثم عاد ومعه كيس ووقف الى جانب الاعرابي، فسأله ابان: أتبيع الناقة يا خال؟ فإني لم أجد مثل صفتها والحمدلله أني وجدتها عند خالي، فقال الاعرابي: نعم أبيعها أيها الأمير، وكانت ناقة الاعرابي تساوي عشرة دنانير فقال له أبان: فإني اشتريها منك بمئة دينار، فطمع الاعرابي وسر سرورا عظيما وانتفخ وبان الطمع في وجهه وكان هذا الاعرابي ازرق سيئ الخلق ترى الشر في عينيه ما يدنو منه احد الا شتمه ونهره، التفت ابان الى اشعب وقال له: ان خالي من اقاربك، يعني بالطمع فأوسع له مما عندك، قال: نعم بأبي أنت وزيادة، فالتفت أبان الى الاعرابي قائلا: إني اعطيك يا خال عروضا بقيمة المئة دينار، فما قلت؟ فازداد الاعرابي طمعا وقال: قبلت ايها الامير، فأخرج اشعب عمامة رثة من الكيس تساوي اربعة دراهم وقال: عمامة الامير تعرف به ويشهد بها الاعياد والجمع ويلقى فيها الخلفاء قيمتها خمسون دينارا، فقال ابان: ضعها بين يدي خالي وامر الكاتب ان يكتب، فكاد الاعرابي ان يموت من الغيظ ولم يقدر ان يتكلم، ثم اخرج اشعب قلنسوة علاها الوسخ وقال: قلنسوة الامير تعلو هامته ويصلي بها الصلوات الخمس ثلاثون دينارا، والتفت الى الكاتب وقال: اكتب، ثم وضع القلنسوة بين يدي الاعرابي، فتربد وجه الاعرابي وجحظت عيناه فهم بالوثوب من شدة الغيظ ثم تماسك فأخرج اشعب خفين قد تقشرا ونقبا وقال: خفا الامير يطأ فيه الروضة ويعلو بهما منبر النبي -صلى الله عليه وسلم- اربعون دينارا، ثم وضعها بين يديه، ثم التفت ابان الى الاعرابي وقال: اضمم اليك متاعك يا خال بارك الله لك فيه وقم مع خالي يا اشعب، يا فلان اقبض ما بقي لنا عنده وهي عشرون دينارا، فوثب الاعرابي واخذ يضرب اشعب والقوم بالمتاع واخذ بعيره مثل المجنون
وضحك القوم، وكان بعد ذلك اذا رأى اشعب قال له: هلم الي حتى اكافئك على تقويم المتاع فيهرب منه اشعب.
كثير من الناس لا يعلم ان اشعب عاش عمرا طويلا فعندما استشهد ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، كان عمره عشر سنوات كما روي وذلك عام 35 للهجرة وعاش الى خلافة محمد المهدي العباسي وكان عمره حين توفي 145 عاما، وكان الغلمان آذوه وهو في الطريق فأحب ان ينصرفوا، فقال لهم: سالم بن عبدالله بن عمر اقام وليمة فذهب الغلمان الى منزل سالم بن عبدالله فصدق نفسه وجرى خلفهم. جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله.

كاتب كويتي

You might also like