“وداوني بالتي كانت هي الداء” محبرة وقلم

0 288

مشعل عثمان السعيد

الدواء، هو العلاج الذي يأخذه المريض لمرض أصابه. والدواء مفرد، الجمع منه الأدوية، ولا يتداوى المرء إلا اذا كان مريضا، ومرادفات كلمة دواء: بلسم، علاج، عقار، ترياق، والضد من دواء، داء، سقم، علة، مرض، أما الداء فهو المرض ظاهراً أو باطناً، والجمع منه: أدواء، والسؤال: كيف يداوي المريض نفسه بالداء الذي يعاني منه؟ إنه أمر مستغرب، لنطالع بيت الشعر كاملاً ليتضح لنا المعنى أكثر، هو يقول:
دع عنك لومي فإن اللوم اغراء
وداوني بالتي كانت هي الداء
صاحب هذا البيت المعروف أبو نواس، وهو يوجه بيته الى من لامه على شرب الخمر، فيقول له: ان عتابك الشديد لي غير مجد، ولا فائدة منه على الاطلاق، فتوبيخك وعذلك يزيدني حباً ورغبةً في الخمر، فكلما لمتني أكثر فإنني سأشربها أكثر، فالخمر دائي ودوائي، لأن “أبا نواس” يعتبر الخمر طاردة للهم، باعثة للأنس، هذا ما يراه ويعتقده الشاعر العباسي الشهير. دعونا نتأمل بعض أبيات هذه القصيدة:
دع عنك لومي فإن اللوم اغراء
وداوني بالتي كانت هي الداء
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها
لو مسها حجر مسته سراء
قامت بإبريقها والليل معتكر
فلاح من وجهها في البيت لألاء
فأرسلت من فم الابريق صافية
كأنما اخذها بالعين إغفاء
رقت عن الماء حتى ما يلائمها
لطافة، وجفا عن شكلها الماء
فلو مزجت بها نوراً لمازجها
حتى تولد أنوار وأضواء
دارت على فتية دان الزمان لهم
فما يصيبهم إلا بما شاؤوا
لتلك أبكي ولا أبكي لمنزلة
كانت تحل بها هند وأسماء
حاشى لدرة أن تبنى الخيام لها
وأن تروح عليها الابل والشاء
فقل لمن يدعي في العلم فلسفة
حفظت شيئاً وغابت عنك اشياء
البيت الأخير في هذه القصيدة بيت حكمة، فمدعي العلم ليس بعالم وان أوهم الناس بذلك، وأبو نواس ذكرته في السلسلة المئوية “بيت سائر.. قاله شاعر” في الجزء الأول والثاني، إلا أن هذا الشاعر لا يستغني عنه كتاب أدب وشعر، لغزارته ورصانة شعره وشهرته الواسعة، خصوصاً حكمه ومديحه ورثاءه وغزله وخمرياته التي لا تجارى ولا تبارى، هو الحسن بن هانئ بن عبدالأول بن الصباح الحكمي، ولد في الأهواز “الأحواز” جنوب غرب إيران لأب دمشقي، وأم فارسية، في خلافة أبي جعفر المنصور سنة “145 هـ” تعلم على يد شيخ من أشهر شيوخ اللغة والأدب والشعر وهو: خلف الأحمر “ت 180 هـ” فما بلغ الثلاثين من عمره حتى امسك بناصية اللغة والأدب والفقه والحديث واحكام القرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وكان يقول لأصحابه: “ما ظنكم برجل لم يقل الشعر، حتى روى دواوين ستين امرأة منهن الخنساء وليلى الاخيلية” ثم سافر أبو نواس إلى بغداد عاصمة الدولة العباسية وقارع الشعراء حتى بذهم وتفوق عليهم، واصبح المقدم عليهم، ثم اتصل بالخليفة العباسي السادس محمد الأمين وأصبحت له مكانة خاصة عنده، فأغدق عليه الهبات والعطايا بعد أن مدحه بغرر قصائده، مما افقده محبة عبدالله المأمون الخليفة السابع، لشدة ارتباطه ومحبته للأمين. لم يعمر أبو نواس طويلا، فقد توفي في الرابعة والخمسين من عمره سنة “199 هـ” ودفن في الجانب الغربي من بغداد، رآه احد اصحابه في منامه فسأله: ما فعل الله بك؟
قال: غفر الله لي بأبيات قلتها في النرجس وهي:
تأمل في نبات الأرض وانظر
الى اثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات
بأحداق من الذهب السبيك
على كثب الزبرجد شاهدات
بأن الله ليس له شريك
ذكر أحد اصحاب “أبي نواس” وهو محمد بن نافع، أنه هجره أواخر أيامه، فبلغه وفاة “أبو نواس” فاشتد حزنه وندم على أنه لم يتصالح معه، فبينما هو بين النائم واليقظان إذ هو يرى “أبا نواس” فقال له: أبا نواس!! فرد قائلا: لات حين كنية؟! “أي انتهت الكنية بعد وفاتي” فقال له: الحسن بن هاني؟ قال: نعم، قال ما فعل الله بك؟ قال: غفر الله لي بأبيات قلتها في مرضي، وهي تحت وسادتي.
يقول محمد بن نافع: فذهبت الى منزله وما أن رآني أهله حتى تذكروه وأجهشوا بالبكاء، لصحبتي له، فقلت لهم: ترك أخي الحسن شعراً قبل وفاته؟ قالوا: لا نعلم، الا انه دعا بدواة وقرطاس، وكتب شيئا،لا ندري ما هو!! فدخل محمد حجرته، فإذ بثيابه مكانها، فرفع وسادته فإذ برقعة مكتوب فيها:
يارب ان عظمت ذنوبي كثرة
فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن
فبمن يلوذ ويستجير المجرم
أدعوك رب كما أمرت تضرعا
فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
مالي إليك وسيلة إلا الرجا
وجميل عفوك ثم إني مسلم
وما أجمل مناجاة “أبي نواس” لربه وتمجيده للواحد الأحد حيث يقول:
إلهنا ما أعدلك
مليك كل من ملك
لبيك قد لبيت لك
لبيك إن الحمد لك
والملك لا شريك لك
ما خاب عبد سألك
أنت له حيث سلك
لولاك يا ربي هلك
لبيك إن الحمد لك
والملك لا شريك لك
كل نبي وملك
وكل من أهل لك
وكل عبد سألك
سبح أو لبى فلك
لبيك ان الحمد لك
والملك لا شريك لك
والليل لما أن حلك
والسابحات في الفلك
على مجاري المنسلك
لبيك إن الحمد لك
والملك لا شريك لك
يا خاطئاً ما أغفلك
اعمل وبادر أجلك
واختم بخير عملك
لبيك إن الحمد لك
والملك لا شريك لك
جف القلم ونشفت المحبرة، في آمان الله

كاتب كويتي

You might also like