وديان الجزيرة العربية في عصور الجفاف كانت موطن العيون العذبة فيها الكثير من الأحساء وهي الآبار التي تعتمد على مياه الأمطار (1 من 2)

بقلم: أحمد بن محارب الظفيري

«نحن الآن نعيش في الدورة الدفيئة الجافة التي بدأت منذ 18 ألف سنة»، هكذا يقول علماء الجيولوجيا والآثار والفضاء، وتدريجياً مع تقدم الجفاف والحرارة بدأت الأنهار المنحدرة من جبال الحجاز وهضبة نجد تجف مياهها، وتغيرت مسمياتها من (أنهار) إلى (وديان)، فسبحان مغير الأحوال من حال إلى حال بيده الملك وهو على كل شيء قدير.
إن هضبة نجد بانحدارها إلى الخليج العربي تصب وديانها في ما يسميه بدو اليوم والأمس بـ (الطاش) أو (الطفة) أو (السرك) والمسميات عربية فصحى أو تعني المنطقة المحاذية لحوض البحر وتكثر في هذه المنطقة العيون والحسيان (الأحساء).
وبانحدار هضبة نجد إلى جهة الشرق باتجاه حوض الفرات فان مياه وديانها تصب في المنطقة التي يسميها البدو بـ (الرحاب) جمع (رحب) أو (رحبه) ويسمونها أيضاً بـ (الطفة) ويجمعونها فيقولون: (منطقة الطفوف) وكل هذه الأسماء عربية فصيحة تداولها بنو شيبان وبنو تميم قديماً، ومازالت متداولة عند أحفادهم عرب اليوم.
وتمتد (منطقة الرحاب) أو (منطقة الطفوف) بمحاذاة حوض الفرات، وقد تقترب منه أو تبتعد عنه بأكثر من مئة كيلومتر، وأكثر أراضيها سبخاء وتحد منطقة الرحاب من جهة الشرق الكثبان الرملية (دعوص الرمل) – يسميها البدو (طعوس) – ومن جهة الغرب تحدها الأراضي الحجرية الصلبة المرتفعة المتصلة بالهضبة النجدية، وهضبة نجد بانحدارها إلى حوض الفرات تصب وديانها في (منطقة الرحاب) أو ما تسمى أيضاً بـ (منطقة الطفوف) أو (الطفة) وتكثر في هذه المنطقة العيون والحسيان.
والعيون (منابع الماء) يخرج ماؤها إلى سطح الأرض فيجري على الأرض، والعيون كالآبار فيها القراح العذب، وفيها الملاح المالح، وبعض العيون فوارة يتدفق الماء من فوهتها من تلقاء ذاته من دون تدخل خارجي.
أما الحسيان (جمع حسو) فهي الآبار التي يكون ماؤها قريباً جداً من سطح الأرض، ويعتمد كلية على كثرة مياه الأمطار، ويكون عادة، أرضاً رملية منخفضة تحتها أرض صلبة تصمد الماء فلا ينفذ منها، وتوجد الحسيان بمصبات الوديان ومفيضها.
وفي اللغة، الحسي: هو سهل من الأرض يستنقع فيه الماء، ويكون غليظاً من الأرض فوقه رمل يجمع ماء المطر فتحفر فيه حفرة لتنزح منها الماء، وكلما نزحت دلواً جمعت أخرى، فتلك الحفرة حسي، والحسي في اللغة أيضاً البئر القريبة الماء، والجمع أحساء ومنه منطقة الأحساء بالمملكة العربية السعودية.
والفرق بين الحسو والقليب عند البدو، هو أن ماء الحسو قريب من سطح الأرض حيث إن طوله من باع إلى خمسة أبواع ولا يحتاج إلى جمل السناية لامتياح الماء منه بل يمتح باليد، بينما ماء القليب بعيد من سطح الأرض ويحتاج جمل السناية لامتياح الماء منه ويسمى قليب مسنوي.

وادي الرُّمَه:

نصفه الشرقي يسمى قديماً (وادي فَلْج) وحالياً يسمى هذا النصف بـ (وادي الباطِن) أو (شعيب الباطِن)، ومن منا من هواة الأدب والتاريخ العربي لا يعرف (وادي الرُّمَه) الشهير، فهو أشهر من نار على علم في جميع كتب التراث العربي من شعر وأدب وجغرافيا وتاريخ.
وكذلك (وادي فَلْج) الامتداد الطبيعي لوادي الرُّمَه طغت شهرته على كل الحدود وتعطرت بذكره ألسنة شعراء العرب منذ العصر الجاهلي ومروراً بكل العهود الإسلامية المتعاقبة، إنه وادي المياه والخير والنماء.
يقول عالم الآثار البريطاني (برترام توماس Bertram Thomas ) صاحب كتاب العربية السعيدة (Arabia Felix) إنه لاحظ أن وادي الرُّمه لايزال مملوءاً بالصخور الرسوبية والحصى ما يدل على أنه كان في القديم مجرى نهر غزير المياه.
ونحن نقول: إن ما يقوله برترام توماس صحيح مئة في المئة فأرض الوادي والبر الوسيع المحيط به يعج بالقواقع والاصداف والودع، وكنا أيام الصَّبا والشباب نلتقطها ونلعب بها، وكانت تذكرنا بمياه الأنهار الحلوة، ولا تنس أن نصف الوادي المتجه للعراق اسمه فلْج – أي ثَلْج – وقلب الفاء ثاءً لغة عند العرب معروفة ذكرتها كتب اللغة فهم يقولون (فوم) بدلاً من (ثوم) و (جدف) بدلاً من (جدث).
ويؤكد علماء الجيولوجيا والآثار أنهم اكتشفوا مدنا وقرى كثيرة كانت قائمة على ضفتي وادي الرُّمَه عندما كان نهراً جارياً في الفترات الجليدية التي مرت على الأرض في العهود السحيقة، ونشرت هذه الاكتشافات في المجلات العلمية المتخصصة.
ينطلق وادي الرُّمَه وروافده من جبال الحجاز من حرار خيبر الواقعة شرقي المدينة المنورة، ثم يتجه هذا الوادي الى الشرق، وعندما يصل وادي الرُّمه إلى رمال الدهناء العظيمة، فان الرمال تغطيه وتكاد معالمه أن تضيع بسبب تراكم جبال رمال الدهناء فوقه، ويظهر (وادي الرُّمَه) من الرمال متجهاً إلى الشرق لكنه بعد ظهوره من الرمال غير أجدادنا عرب الجاهلية اسمه من (وادي الرُّمَه) الى اسم (وادي فَلْج) واستمر هذا الاسم عالقاً به في العهود الإسلامية، حتى جاء العرب الأواخر وغيروا اسمه إلى (وادي الباطِن).
وخلال انحدار (وادي فَلْج قديماً أو وادي الباطِن حديثاً) إلى جهة الشرق قامت في بطنه وعلى جانبي هذا البطن وفي مسيل تلاعه موارد آبار كثيرة تطور بعض هذه الموارد فيما بعد وأصبح مدناً مشهورة مثل مدينة حَفَر الباطِن، والتي سيأتي الكلام عنها خلال سياق الكلام.
إن لدي الأمنية والرغبة الأكيدة بذكر اسم وتاريخ كل مدينة أو قرية قامت في وسط أو على ضفتي (وادي الرَّمَه) وكذلك المدن والقرى التي قامت في وسط أو على ضفتي (وادي الباطِن – فَلْج قديماً) لكن ضيق المجال لا يسمح لي بزيادة الكلام والاسترسال في الشرح.
ولنكتفي بالكلام عن مدينة حفر الباطن، هذه المدينة السعودية المهمة الواقعة على مفترق الطرق المتجهة للكويت وللعراق وللشام ولمدن المملكة العربية السعودية، هذه المدينة التي أخذت اسمها من اسم وادي الباطن.
مدينة حفر الباطن الكبيرة والشهيرة كانت في بداية نشأتها في أول هذا القرن عبارة عن مجموعة قلبان (آبار) محفورة في وسط شعيب (وادي الباطِن)، ونذكر من أسماء هذه الآبار (الثيليه) و (مليحه) و (غصيبه) و (ريقان – ريجان) و(عسيله) و(المرقبي – المرقب) و(مرير) و(الفويهيه) و(الحلافيه)، وكانت ملكية هذه الآبار في العهد العثماني تعود إلى قبيلة الظفير، لأنها تقع ضمن حدود ديرتها القبلية وهذا ما أشار إليه الأستاذ صالح محمد العطني، مدير الأحوال المدنية في حفر الباطِن عندما تكلم عن هجرة القبائل النجدية إلى هذه المنطقة في مقابلته مع مجلة «اليقظة» الكويتية في 6/3/1987 حيث قال : «ولعل أولى القبائل التي سكنت حفر الباطن هي قبيلة الظفير قبل مطلع القرن الهجري الماضي».
وكانت العربان تقطن حول هذه الآبار ببيوت من الشعر كثيرة تنتشر على أرضها، وبعد أن تمكن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (رحمة الله عليه) من إرجاع ملك آبائه وأجداده، وبناء الدولة السعودية الثالثة، جعل على هذه الآبار موظفين حكوميين من قبله وأسكنهم خياماً وأناط بهم حل مشكلات الناس وفرض الأمن والأمان في ربوع الصحراء ثم فيما بعد بدأ التطور والبناء وتكوين الهجر وبناء المدن.
وتذكر كتب التاريخ أن أول من حفر قلبان (آبار) الحَفَرَ هو الصحابي الجليل أبو موسى الأشعرِي والي البصرة في زمن الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه).
يقول الشيخ الإمام شهاب الدين أبي عبدالله ياقوت بن عبدالله الحموي الرومي البغدادي (ت626هـ – 1229م) في كتابه (معجم البلدان): ولما أراد أبو موسى الاشعرِي حفر ركايا الحَفَر قال : دُلُّوني على موضع بئر يقطع بها هذه الفلاة، قالوا : هَوْبَجة تنبت الأرطى بين فَلْج وفُليج، فحفَرَ الحَفَرَ، وهو حَفَرُ أَبي موسى، بينه وبين البصرة خمس ليال.
ونحن نقول: إن قول الشيخ الإمام ياقوت الحموي (رحمة الله عليه) : «إن أبا موسى الأشعري حفر في هوبجة (منقع ماء بين فَلْج وفَلَيج) يحتاج إلى تصحيح ونحن لا نلومه لأنه ينقل من أفواه الناس، أو قد يكون الخطأ من النساخين لتقادم السنين».
والصحيح الذي نراه بحكم خبرتنا بالأرض ومعرفتنا لها ميدانياً، أنه حفر الآبار (الركايا) في هوبجه (منقع ماء) تقع في وسط وادي فَلْج، امتداد وادي الرُّمَه، وهذه الآبار أو هذه الهوبجة (مكان الحفر) تقع بين فلَيْج وفليج – مصغر فَلْج (فليج الشمالي وفليج الجنوبي) وهما واديان (رافدان) يصب سيلهما في وادي فلْج في المكان الذي حفر فيه أبو موسى الأشعري آباره، وعلى هذه الآبار قامت مدينة حفر الباطن الحالية.
فَليْج الشمالي تأتي منابعه من (قارة فَلْجه) وهي هضبة معروفة في ديرة الظفيرة تبعد هذه القارة عن آبار الدليمية (من طوال الظفير) باثني عشر كيلومتراً إلى جهة الشمال الشرقي، وينحدر سيل فليج الشمالي من جهة الشمال إلى الجنوب حتى يفيض في وادي فلج (يسمى عند العرب الأواخر وادي الباطن أو شعيب الباطن).
وقارة فَلْجه مازالت معروفة بهذا الاسم منذ عرب الجاهلية إلى اليوم وتقع على درب الحاج وكانت مسكن مَيَّه الخرقاء المنقرية العامرية حبيبة غَيلان ذو الرُمَّة، وبما أن (فَلْجه) تقع على طريق حجيج البصرة، وحول آبارها تقطن الخرقاء مَيَّه لذلك قال فيها الشاعر البدوي الأموي ذو الرُمَّة غيلان بن عقبة بن نهيس العدوي المضري:
تمامُ الحجِّ أنْ تَقِفَ المطايا
على خَرْقاءَ واضِعةَ اللِّثامِ
وهذا حفيد ذي الرُمَّة الشاعر الظفيري المعاصر عبدالله بن زويران الرسيمي (رحمة الله عليه) يذكر أن حبيبته لم تتجول في شعيب فليج الجنوبي ويذكرها له طير الهواء بأنها قاطنة في فيضة (روضة) سدر اسمها (مغليه) في منطقة الحجرة، حيث يقول:
صاحبيْ ما داجْ بفليجْ الجنوبيْ
يذكْرْه طيرْ الهوا صوبْ إمغليّهْ
أما فليج الجنوبي فيأتي من جهة الجنوب من مرتفعات السوبان ويتجه شمالاً حتى يفيض في وادي فلج، ومن مشاهداتي لفليج الجنوبي أشك بأنه ليس رافداً وإنما هو في العهود السحيقة كان نهراً متفرعاً من نهر فلج الرئيسي لأن نهايته الجنوبية تنحدر إلى الجنوب وتمتد في أراض منخفضة وتصب في أرض متطامنة يحير فيها السيل تسمى (حيرة السوبان).
والآن لنرجع إلى (وادي فَلْج – وادي الباطن) الذي هو امتداد طبيعي لوادي الرُّمَه كما قلنا، فإن هذا الوادي عندما يقترب من شمال الخليج العربي، ينقرش بطنه ويشكل شمال الكويت بالقرب من جبل سنام، دلتا واضحة المعالم تتجه تفرعاتها المنفتحة إلى الخليج العربي، وبذلك يؤكد لنا (وادي الباطن – وادي فلج) آراء علماء الآثار والجيولوجيا والفولكلور القائلة بأنه كان نهراً عظيماً متدفقا بالمياه في العهود السحيقة من التاريخ.
ولقد قال الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) في حديثه الشريف : «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً»، ومعنى الفعل تعودî أن أرض العرب كانت فيما مضى مروجاً وأنهاراً.

«وادي الرمه ـ وادي الباطن» في التراث الشعبي لعرب الجزيرة

لقد احتل هذا الوادي الطويل ـ الذي يقطع الجزيرة من جبال الحجاز غرباً الى مياه الخليج العربي شرقا ـ جانباً مهماً في الموروث الشعبي لعرب الجزيرة قديما وحديثا، وما زال الحديث عنه شيقا ومحببا عند عرب اليوم كما هو عند عرب الامس.
وسنتكلم عن بعض الروايات والاساطير الشفاهية التراثية الفولكلورية التي تحكي عن هذا الوادي العملاق وعن بعض الموجودات التضاريسية التي لها علاقة به. واللافت للنظر ان اغلب هذه الحكايات الاسطورية والسوالف «القصص» التراثية الخيالية مدونة في كتب التراث العربي القديم ما يدلل على انها موغلة في القدم، وان العرب الحاليين توارثوها من اجدداهم الاقدمين عبر تقادم العصور وتتابع الاجيال. وتحوي هذه الموروثات الشعبية بين مفرداتها الكلامية رموزا واشارات ذات معان غائصة في رحم التاريخ الأقدم. ومع تقدم وتطور علم التراث الشعبي الفولكلور Folklore)) تمكن علماؤه بطرائقهم العلمية الخاصة من تحليل هذه الاساطير والحكايات الخرافية التي كنا قديما لا نعرف معانيها، واستخلصوا منها المعاني الحقيقية المنطقية التي غلفتها الاساطير في مغمياتها ومبهماتها عبر تراكم حكي الاجيال ومنطوقها خلال العصور. ومادة الاساطير الخيالية والحكايات الشعبية الخرافية يدرجها علماء الغرب تحت فرع من التراث الشعبي الفولكلور اسمه الميثولوجيا (mythology).
وعندنا اسطورة متوارثة ومتواترة تتردد على افواه عربان البوادي في جزيرة العرب تثبت ان وادي الرمه كان نهراً جاريا في سالف العصر والآوان.
تقول الاسطورة الشعبية المتوارثة جيلاً بعد جيل :جبل سنام ـ الواقع شمال الكويت ـ وعشيقته جبل طميه ـ الواقع جنوب عقله الصقور بالمملكة العربية السعوديةـ الاثنان اغتاظا وزعلا على جماعتهم جبال الحجاز فانقطعا عنها، وتحرك الاثنان سنام وطميه من الغرب الى الشرق، ولما وصلا الى نجد توقفت طمية عن المسير ورفضت مواصلة السير الى الشرق على الرغم من الحاح عشيقها سنام، واخيراً زعل سنام على طميه وواصل المسير لوحده الى الشرق، ولما وصل الى موقعه الحالي ـ شمال الكويت وغرب مدينة الزبير ـ تذكر حبيبة قلبه طميه فالتفت الى الوراء لعله يراها فانكسرت رقبته وثبت في مكانه الحالي. وبسبب حركة جبل سنام وجبل طميه انجرفت الارض وانحفر وادي الرمة وامتداده وادي الباطن، هكذا تفسر الاسطورة الشعبية طريقة انحفار هذا الوادي الطويل العملاق الممتد من جبال الحجاز غربا الى شمال الخليج العربي شرقا… وعموما الاساطير الخرافية والحكايات الخيالية موجودة عند كل شعوب الارض ويفسرون نتائجها ومضامينها بتبريرات خيالية غير منطقية وذلك بقولهم: ان كل الموجودات والمخلوقات على هذه الارض كانت قديما تتكلم وتحس مثل الانسان!
ومن اسطورة جبل سنام الزعلان على جبلة طمية، استوحى البدوي في جزيرة العرب هذه الكلمة او هذا المثل الشائع: زعلة سنام على طميه يقوله البدوي للشخص الذي يزعل عليه وهو يود فراقه ولا يرغب بمراهناته، أي كأنه يقول له: روحة بلا رجعة، وكما قلنا استمد ابن الصحراء هذا المثل المتوارث عبر العصور من الزعل والغيظ الذي حصل بين سنام وعشيقته طميه فهما فعلاً تفارقا بلا عودة!
كيف يفسر العلم الحديث هذه الاسطورة؟
يقول الدكتور فاروق الباز رئيس مركز الاستشعار عن بعد في جامعة بوسطن الاميركية، في مقابلته المنشورة في جريدة (الأنباء) الكويتية يوم الاثنين 29 نوفمبر 1993م العدد 6309 ما يلي: بتصرف بسيط منذ 5000 الى 11000 سنة كانت منطقتنا العربية تعيش في مرحلة مطيرة، وقبل هذه المرحلة أي منذ ما يقرب من 180 الف سنة كانت منطقتنا تعيش في مرحلة الانهار الواسعة العظيمة.وادي الباطن، هو وادي كبير الحجم والصخور الموجودة فيه ليس لها مثيل في صخور الكويت على الاطلاق ولذلك فلابد من انها منقولة من مكان ما يوجد به مثل هذه الصخور، فلو افترضنا ان هذه الصخور جاءت من الشمال عن طريق نهري دجلة والفرات فهذا امر مستحيل لان المنطقة الواقعة في منتصف العراق منطقة مستوية تماما وليس فيها انحدار يسمح بنقل كتل صخرية كبيرة مثل جبل سنام.
اما في غرب شبه الجزيرة العربية حيث توجد جبال الحجاز فالارض مرتفعة وفيها انحدار الى جهة الشرق يسمح بنقل الصخور من الجبال العالية الى المناطق المستوية القريبة من ساحل الخليج العربي، وبما ان وادي الباطن هو امتداد لوادي الرمة ويشكلان واديا واحدا ممتداً من جبال الحجاز في غرب الجزيرة وينحدر الى جهة الشرق، والصخور الكبيرة الموجودة في وادي الباطن هي صخور منقولة بواسطة تدفق المياه في هذا المجرى في زمن الفترة المطيرة ذات الانهار الواسعة العظيمة.
ونحن نقول: ان البدوي ابن الصحراء العربية المعاصر والقديم، عرف ان جبل سنام منقول من جبال الحجاز، فهو عندما نظر الى نوعية وطبيعة صخور جبل سنام وجبل طميه وجد ان طبيعة ونوعية صخورهما متشابهة وتشبه طبيعة جبال الحجاز. وبناء على هذه المشابهة تشكلت في ذاكرة الاجيال المتعاقبة هذه الاسطورة الشعبية المتوارثة عبر العصور.
ولا تنس ان جبل سنام كما هو معلوم على الطبيعة، جبل منفرد وحده يقع في وسط دلتا النهر القديم، ولا يوجد حوله أي جبال أخرى.
اما في وسط نجد وعاليتها فيوجد عدد من الجبال بعضها في وسط وادي الرمة وبعضها على ضفتيه، وهي مشابهة لجبال الحجاز جاء بها السيل المتدفق في العصور السحيقة، وتدور حولها الكثير من القصص والاساطير. ويصف علماء الجيولوجيا علم طبقات الارض وادي الرمه ـ الباطن بانه عبارة عن فالق او كسر في القشرة الارضية حصل في العصور السحيقة نتيجة لحركة زلزال عنيف، وبسبب هذه الزلازل العنيفة التي حصلت في فترة سحيقة، تكونت الوديان الكبيرة التي اصبحت فيما بعد انهاراً جارية، وتكون البحر الاحمر واغوار الاردن وسهل البقاع؟ هكذا يقول علماء الجيولوجيا، والله أعلم.
وصف احد شعراء البادية الشعبيين وادي الرمه بالجمل الواقف الذي رجلاه بالبصرة وزوره في وسط نجد بـ «أبانات» ومكرع يشرب من خباري مياه الحره قرب المدينة المنورة، يقول الشاعر:
رجليه بالبصرة وزوره بابانات
ومكرع يشرب بحوض المدينه
أبانات: اسم بصيغة الجمع اطلقه العرب الحاليون على ما يسمى قديما بصيغة التثنية أبانان وهما جبلان أبان الاسود حالياً يسمى ابان الأسمر وأبان الابيض حالياً يسمى ابان الأحمر ويقعان قرب مدينة الرس بالمملكة العربية السعودية وكانا قديما لقبيلة بني خزارة وهذا الجبلان ابانان اللذان يقعان على وادي الرمه، ذكرهما امرؤ القيس:
كأن «ابانا» في أفانين وبله
كبير أناس في بجاد مزمل
والآن لنرى ماذا تقول كتب المراجع العربية القديمة عن هذه المسميات التي لها علاقة بوادي الرمه:
ذكر امرؤ القيس جبلة طمية عشيقة جبل سنام حيث يقول:
كأن طميّة المجيمر غدوة
من السيل والاغثاء فلكة مغزل
ويذكر ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان ان مالك بن الريب لما نزل قباب الترك تذكر سناماً الموضع الذي في بلاده فقال:
تذكرني قباب الترك أهلي
وقبداهم اذا نزلوا سناما
وصوت حمامة بجال كشّ
دعت مع مطلع الشمس الحماما
فبت لصوتها أرقا وباتت
بمنطقها تراجعني الكلاما
وعن رمال الدهناء العظيمة التي تقطع وادي الرمة حتى تضيع معالمه، لكن اهل المنطقة من بدو الجاهلية وبدو اليوم يعرفون هذه المعالم عندما يتحولون فوق الرمال قالت العرب بخصوص رمال الدهناء هذه الكلمة المأثورة قديما وحديثا :»اذا ربعت الدهناء ربعت العرب جمعاء»، وقال احد شعراء العرب:
ألا حبذا الدهناء وطيب ترابها
وأرض خلاء يصدح الليل هامها
وقال الأعشى:
يمرون بالدهنا خفافاً عيابهم
ويرجعن من دارين بجر الحقائب
ودارين جزيرة ساحلية قديمة وهي فرضة شهيرة وميناء تجاري قديم له صيت ذائع في المراجع العربية القديمة.

* باحث في التاريخ والتراث
[email protected] com

Leave A Reply

Your email address will not be published.