ورطة شاعر محبرة وقلم

0 908

مشعل عثمان السعيد

الورطة كل أمر تعسر النجاة منه، وكل إنسان وقع في أمر صعب النجاة منه يسمى: ورطة، والجمع من ورطة ورطات، وراط، أوراط، وتأتي الورطة بمعنى: الهوة الغامضة العميقة في الأرض، واذا قيل: أورطه فالمعنى أوقعه في ورطة، ونحن في لهجتنا نقول: ورطنا وتورطنا، وأحيانا: “شهالتوريطة”، والضد من كلمة ورطة: انفراج، ارتياح، انشراح، تسهيل، وهكذا عندنا في اللهجة الضد من الورطة: “سهالة” أو “سهالات”، وفي الورطة وانفراجها بإذن الله تعالى يقول الإمام الشافعي:
“ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت أظنها لا تفرج”.
وأعود الى عنوان هذا الموضوع “ورطة شاعر” وما أكثر من تورط من الشعراء، وكتب التاريخ حافلة بمثل هذه الأمور، أما الشاعر الذي أحدثكم عنه فهو: المؤمل بن أميل بن أسيد المحاربي، وهو شاعر معروف عاصر أواخر بني أمية وعاش الى خلافة محمد المهدي الخليفة العباسي الثالث (158-169هـ )أما الورطة التي وقع بها، فلها قصة، وهي ان هذا الشاعر دخل على محمد المهدي عندما كان ولي عهد أبيه المنصور وقال فيه أبياتا جميلة للغاية منها:
“هو المهدي إلا أن فيه
مشابه صورة القمر المنير
تشابه ذا وذا فهما اذا ما
أنارا يشكلان على البصير
فهذا في الظلام سراج نار
وهذا بالنهار سراج نور
ولكن فضل الرحمن هذا
على ذا بالمنابر والسرير”.
ويقول في بعض أبياتها أيضا:
“فيا بن خليفة الله المصفى
به تعلو مفاخرة الفخور
لقد فت الملوك وقد توافوا
اليك من السهولة والوعور
وقد سبق الملوك ابوك حتى
بقوا من بين حاب او حسير
وجئت وراءه تجري خبيبا
وما بك حين تجري من فتور
فقال الناس ما هذان الا
كما بين الفتيل الى النقير
فإن سبق الكبير فأهل سبق
له فضل الكبير على الصغير”
والمؤمل بن أميل رغم جمال أبياته إلا انه اغترفها من بحر الخنساء حيث تقول وقد تسابق أبوها واخوها:
“جارى اباه فاقبلا وهما
يتعاوران ملاءة الحضر
حتى اذا جد الجراء وقد
ساوى هناك العذر بالعذر
وعلا هتاف الناس أيهما
قال المجيب هناك لا أدري!
برقت صحيفة وجه والده
ومضى على غلوائه يجري
اولى فأولى أن يساويه
لو لا جلال السن الكبر
وهما كأنهما وقد برزا
صقران قد حطا إلى وكر”.
وأعود الى الحكاية، فما أن سمع محمد المهدي الأبيات، وكان جوادا أريحيا، حتى أمر للمؤمل بمئة ألف درهم ففرح المؤمل فرحا شديدا وأخذ المال، اتصل الخبر الخليفة المنصور وكان بخيلا يسمى “أبو الدوانيق” فبعث الى ابنه المهدي ولامه وعنفه وقال له: ما هذا السرف؟ كيف تعطي شاعراً مئة ألف درهم انما كانت سبيلك أن تعطيه أربعة الاف درهم بعد ان يقف ببابك سنة، ثم بعث المنصور في طلب الشاعر وأنفذ قائدا من قواده يبحث عنه ويتصفح الوجوه حتى وقع عليه، فجيء به الى المنصور ترتعد فرائصه من شدة الخوف فطمأنه المنصور ثم قال له: أتيت غلاما غرا فخدعته!
قال نعم يا أمير المؤمنين أتيت غلاما غرا كريما فخدعته فانخدع لي! فكأن كلامه أعجب المنصور ثم قال له: أنشدني ما قلت فيه فأنشده فقال:
“أحسنت ولكن هذا لا يساوي مئة ألف درهم أين المال قال: ها هو ذا، فالتفت المنصور الى حاجبه الربيع بن يونس وقال له: ياربيع خذ المال منه وأعطه اربعة الاف درهم، ففعل ولما توفي المنصور وتولى الخلافة محمد المهدي رفع المؤمل شكاية له يذكر فيها ما جرى، وما أن رآها المهدي حتى ضحك وامر له بضعف المبلغ، ومن العجائب في سيرة المؤمل بن أميل انه كان يهوى امراة من أهل الحيرة اسمها هند فقال فيها:
“شف المؤمل يوم الحيرة النظر
ليت المؤمل لم يخلق له بصر
قتلت شاعر هذا الحي من مضر
والله يعلم ما ترضى بذا مضر
يكفي المحبين في الدنيا عذابهم
والله لاعذبتهم بعدها سقر”.
فرأى في نومه بعد أن قال هذه الأبيات قائلا يقول له: أنت المتألي على الله تعالى إنه لا يعذب المحبين حيث تقول:
“يكفي المحبين في الدنيا عذابهم
والله لا عذبتهم بعدها سقر”!
فقال: نعم، فقال له كذبت يا عدو الله أو لست القائل تتمنى أن تعمى:
“شف المؤمل يوم الحيرة النظر
ليت المؤمل لم يخلق له بصر”.
قال بلى، فأدخل الرجل أصبعيه في عينيه وقال: هذا ما تمنيت، فانتبه المؤمل من نومه مذعورا فإذا هو أعمى! وكما يقال:
“البلاء موكل بالمنطق، جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله”.

كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.