وزير الإعلام

0 8

حسن علي كرم

عندما تم اختيار عضو مجلس الأمة محمد الجبري، الذي تشكل منطقة خيطان قاعدته الانتخابية التقليدية والحصرية لعائلة الجبري الكريمة، وزيراً للأوقاف في الوزارة السابقة، كان ذلك وضعاً ربما طبيعياً لرجلٍ محافظ، ومقرب الى تيارات الاسلام السياسي (وان كنت لا اؤيد توزير نائب لو لا المادة 56 المقيدة من الدستور)، وكان يمكن ان يستمر محتفظاً بحقيبة “الاوقاف” من دون ان يقفز من وزارة مسؤولة عن الامورالدينية والوقف الى وزارة على نقيضها تماماً، فالجبري الذي أسندت اليه حقيبة الاعلام في الوزارة الحالية، وهو الذي لا صلة له لا من قريب ولا من بعيد بالإعلام، والفنون والإبداعات، سواء أكانت فنية او ثقافية او المسرح او الدراما او السينما او التصوير او الاعلام الالكتروني، والى ما هنالك من الإبداعات.
اقول ان الرجل قد ظُلْم. انا لا اعرف الظروف التي على ضوئها أسندت اليه حقيبة الاعلام، الا انه كان عليه ان يعتذر عن عدم حملها، حتى وان خسر المنصب الوزاري والجلوس في الصف الامامي في قاعة عبدالله السالم، وعاد للجلوس في المقاعد الخلفية بين زملائه النواب، وهذا ما يجعله اقرب الى قلوب وعيون ناخبيه وابناء منطقته الانتخابية على ان يكون وزيراً.
اقول هذا وانا في واقع الامر أشفق عَلى السيد الجبري من الورطة التي وضعوه فيها، فكلنا يذكر قبل دخوله جنة الوزارة، وكان لايزال نائباً، مطالبته وزير الداخلية بمنع دخول الشاعر والفيلسوف والمتصوف الفارسي جلال الدين ابن الرومي المتوفى سنة 1273 ميلادية، اي منذ نحو 800 سنة، والمدفون في مدينة قونية التركية والذي اصبح مدفنه مزاراً الى هذا اليوم، اقول بمنع دخول الرومي الى الكويت، حتى باتت دعوته تلك نكتة و”علوقة” امسكها عليه بعض كتاب الصحافة، ورواد مواقع التواصل الاجتماعي، فهل بعد كل هذا كان اختياره لوزارة تعنى بالثقافة والفن والإبداع، ناهيك بالاعلام والكلمة، في مكانه المناسب، ام كانت ورطة دبسوا الجبري فيها؟
هذا بحد ذاته لعمري ورطة، ان يمثل مسؤول دوراً لا يتقنه، وكأنه بحسب مسرحية عادل امام ” شاهد ما شافش حاجة “، فالوزير اذا لم يكن من اهل الصنعة لن ينتج، لعله سيكون مثل اللي “ضايع في الطوشة”، بدلاً من ان يعطي تعليمات الى مرؤوسيه يتلقى منهم التعليمات، ففاقد الشيء لا يعطيه.
ليس هذا فقط، بل لعل وزارة الاعلام باتت اقرب الى فرع او ادارة من ادارات وزارة “الاوقاف”، رغم ان تغلغل تيارات التأسلم السياسي وتدخلاتها في أمور الثقافة والاعلام ليس جديدا، ولم يبدأ في عهد الوزير الجبري، بل قديم وتاريخ اسود، و رقابتهم المتشددة على نوعية البرامج المصورة، او المذاعة عبر شاشات التلفزيون والأثير من المسلسلات و البرامج المنوعة والأغاني، هذا بخلاف الرقابة المتشددة على الكتب والأفلام السينمائية التي تعرضها دور السينما على شاشاتها، حيث يُقطع مقص الرقيب، المبجل، بلا رحمة أوصال الفيلم، وكأنه ينتقم من رواد السينما او ينتقم من الفيلم، او لعله يعاني من حالة مرضية، وكآبة نفسية، بذريعة ان مجتمعنا محافظ، متناسياً ان في الفضاء المفتوح صار ممكناً للجمهور مشاهدة الفيلم بعيداً عن مقص الرقيب، من خلال جهاز الـ” لاب توب “، او حتى من على شاشة هاتفه النقال، مثلما يستطيع رواد الكتب قراءة كتبهم المفضلة من على الشاشة الصغيرة ذاتها.
انه العلم يا صديقي والعبقرية الفذة التي هدمت أسوار الخصوصية، وجعلت العالم كله يسكن في جهازك السحري الذي بحجم كف يدك، و بناءً عليه اكاد أزعم ان الاعلام الكويتي قد تحجب او تبرقع، فيما هدم إعلام جيراننا، ودعك من الاعلام العالمي، كل أسوار الحجب عن عيون المشاهدين رافعين شعار: لا رقابة ولا تشدد في زمن الانفتاح وحرية الكلمة.
ان سلاح الاعلام والثقافة اخطر من أسلحة الدمار الشامل، فالإعلام لا يشكل ترفيهاً فقط، انما خط الدفاع الاول لأي امة حية تبحث عن مكان أفضل تحت الشمس، لذلك وجدنا كيف عنيت الحكومات بتطوير اعلامها وتسخير كل الامكانات البشرية والمادية لتقديم الدولة بأبهى صورة، من حيث الاقتصاد والنشاط الاجتماعي والثقافة والفنون والسياحة وغيرها.
من كل ذلك، يصح ان نسأل معالي الوزير: هل استحقت مذيعة نشرات الأخبار في التلفزيون وقفها عن العمل وإحالتها للتحقيق لمجرد مزحة عابرة عفوية مع زميلها، وهي سيدة محجبة اولاً، وتربوية ثانياً، وحاملة لمؤهلات عالية ثالثاً، وكذلك ابعاد مذيعة المسابقات الرمضانية عن البرنامج فقط، لكون فستانها لم يدخل مزاج واحد حامض ظلامي يراقب من ثقب الباب؟
اشدعوه، هل هذا الاعلام الذي تتبجحون به، وانه الاول على إعلام المنطقة، على شنهو؟
صحافي كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.