وزير التربية بين المطرقة والسندان…!

حسن علي كرم

حسن علي كرم

سألت صديقاً، وكان ذلك قبل سنوات طويلة، كان حينها يعمل بوظيفة ناظر مدرسة، قلت له: ما حاجتك للشهادة الجامعية، انت ناظر مدرسة وقريباً سوف تتقاعد؟
رد بجواب، في الحقيقة أدهشني، بل افحمني، اذ قال:” ان الشهادة الجامعية مثل “البشت” الذي نحمله تحت ابطنا”. تذكرت سالفتي مع صديقي مع هوجة الحملة المصطنعة في هذه الايام على ما يسمى الشهادات المزورة.
لعلي في البداية افهم ان الشهادات المزورة والشهادات المضروبة هي تلك الشهادات الدراسية الموصومة بالجامعية، وشهادات الماجستير والدكتوراه، التي تصل ممهورة وممضية من اعلى مسؤولين في الجامعات التي تتسرب من مكاتبها تلك الشهادات، وتصل بسلام وأمان الى أصحابها، وهم جالسون على أريكةٍ مريحة في بهو المنزل، حيث يحتسون الشاي او القهوة وأشياء أخرى مع افرادٍ أسرهم، فأذا صح ظننا فذلك يعني بالحسبة البسيطة، وعلى طريقة باعة الخضار في “شبرة الخضار” كم من المعنيين الذين تنطبق عليهم هذا الوصف، وكم من هؤلاء يتصدرون الوظائف القيادية والسياسية ( وزراء حاليون او سابقون، ربما لاحقون وأعضاء مجلسي امة وبلدي حاليين او سابقين او لاحقين) وكم من هؤلاء يعملون في وظائف قيادية حساسة او تربوية او جامعية وغير ذلك من الوظائف؟
نحن نعلم ان حكاية الشهادات المزورة ليست بمثابة قنبلة موقوته تم تفجيرها تواً، أنما جذورها قديمة ربما طاف عليها ثلاثة او أربعة عقود، ونحن نعلم، بل نجزم ان المسؤولين يعلمون وبالأسماء حملة الشهادات المزورة التي حازوا عليها بالدنانير والدولارات والجنيهات من جامعات عربية وأجنبية، وشهادات مختومة وسليمة لا تشكيك في صحتها.
من هنا نتساءل: هل نحن امام حملة تنظيف وتطهير للبلد من الفاسدين والمزورين والمرتشين والراشين، واول الكنس بحملة الشهادات المزورة، وهل أذا اشترى شخص شهادة دكتوراه وعلقها في صالة بيته زينة وتفاخرا من دون أن يستغلها بمنصب او وظيفة حكومية نعده من المزورين، ام نقول عنه :”فلوسه وكيفه”؟
في ظني المسألة تحتاج الى نظرة أعمق، فأنت لست أمام عدد ضئيل من المزورين من حملة الشهادات الجامعية، بل لعل التزوير يطول الشهادات الثانوية والمتوسطة، ومنها الى الجامعية والماجستير والدكتوراه، والغش والتزوير لا يطول الشهادات فقط، بل الاختبارات وتسريب ألاسئلة، الامر الذي يستلب حق طالب مجتهد، وايضاً بيع المذكرات والأبحاث الجاهزة الى طلبة الماجستير والدكتوراه وطلبة البكالوريوس والليسانس من اساتذة الى طلابهم، او من مكاتب الطباعة، الا يعد كل هذا من التزوير والغش؟
فان كنّا نبحث عن التزوير ينبغي توسيع الدائرة، ومن ثم محاسبة كل غشاشٍ ومزور ومن باع أو أبتاع أجوبة الامتحانات والمذكرات والدراسات والأبحاث.
هل هناك من يجزم لي ان أوائل خريجي الثانوية العامة لا يحصلون على نماذج او نصوص أسئلة الاختبارات من موظفين او مدرسين او مفتشين مقربين او قريبين، وألا يعد هذا شكلاً من أشكال الغش والتزوير، وما الإجراءات التي أتخذتها وزارة التربية في حالات تسريب ألاختبارات، وهي قضية تتكرر كل عام؟
اعتقد ان ابتعاث الطلبة الكويتيين الى جامعات متدنية المستوى بحد ذاته جريمة وتزوير ولاسيما الجامعات العربية، وكلنا يعلم مستوى تلك الجامعات والمستوى الأكاديمي لاساتذتها، وكيف ينظر هـؤلاء الى الطلبة الكويتيين والخليجيين. بالمناسبة الشهادات المزورة ليست مسألة كويتية، انما كل البلدان الخليجية تعاني من وباء الشهادات المزورة، وبعضها نجح بالقضاء على التزوير، من هنا نقول دعونا نرفع الصوت عالياً ان هناك من يتاجر بالتعليم، ولعل بيع وتزوير الشهادات السلعة الاقل كلفة في تجارة تقوم على تأسيس مدارس وكليات وجامعات و… و…!
ان وزير التربية، وزير التعليم العالي الذي صرح بما معناه ألتزامه بالشفافية في الشهادات المزورة، اقول له :”شي لمهن”؟ فان كان الوزير جاداً و صادقاً فليبدأ من وزارته التي تتسرب من بواباتها ما يسمى أسئلة نموذجية لاختبارات الثانوية العامة، وهو غطاء لأسئلة الامتحانات الاخيرة، ناهيك عن بيع المذكرات والدروس الخصوصية وما الى ذلك؟
ان البحث عن الشهادات المزورة هو بحد ذاته كالبحث عن إبرة في كومة قش، فاكتشاف المزورين يحتاج الى أكتشاف عصابات المافيا التي تبيع الشهادات، وهي للعلم عصابات دولية تماما كمافيا تجار السلاح والمخدرات وغسيل الأموال ومزوري العلامات التجارية.
هذا على مستوى بيع الشهادات، أما على مستوى بيع الأسئلة والمذكرات والتسهيلات في الاختبارات فحدث ولا حرج، والأنكى ان الغش في الاختبارات وبيع او تزوير الشهادات لا يطول التخصصات الأدبية، انما يطول الطب والهندسة والمحاسبة والفيزياء والكيمياء والصيدلة وهنا الاخطر!
تعهدِ الوزير الفارس بالشفافية وملاحقة المزورين ربما لا يعني الا التهدئة والتهرب من المساءلة السياسية، فالمسألة اكبر من تعالج بالوعود في قضية متجذرة ومعقدة وممتدة الى اكثر من أربعة عقود!
• صحافي كويتي

hasanalikaram@gmail.com