وزير العمل السعودي… إنك تغتال التنمية بالفاتورة المجمعة

أحمد عبد العزيز الجارالله

معالي وزير العمل والتنمية الاجتماعية السعودي علي الغفيص.
حين أتوجه إليكم بهذه الأسطر فانني أنطلق من قناعة أنني كخليجي، ولست كويتيا فقط، أعمل بما قاله الملك سلمان بن عبدالعزيز العام الماضي:” رحم الله من أهدى إليَّ عيوبي”، وهو القول ذاته الذي أكد عليه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ولذلك اذا كنا نتمنى الا ترد قراراتك الأخيرة إلى القيادة السعودية، فاننا في الوقت نفسه نهدي إليك عيوبك على أمل العودة عن اجراءات تضرب في الصميم التنمية السعودية، رغم أن الهدف منها هو توطين الوظائف والأعمال، غير أنها اتخذت وأقرت على عجل ومن دون دراسة، ما أثار حفيظة رجال الأعمال في المملكة كافة.
ولأن السعودية الشقيقة الخليجية الكبرى، وكل اجراء أو حدث فيها يؤثر مباشرة في الاقتصاد الخليجي عموما بوصف المملكة القاطرة لدول” مجلس التعاون” فان الاجراءات التي اتخذتها، خصوصا ما سمي “الفاتورة المجمعة” سيكون لها الأثر السلبي الكبير ليس على الاقتصاد السعودي فقط، إنما الخليجي عموما لأنها في الحقيقة تؤدي إلى انكماش اقتصادي، وتعرقل الدورة المالية محليا وخليجيا، فهذا القرار المفاجىء سيؤدي إلى تخلي رجال الأعمال السعوديين عن المشاركة بالحركة التنموية واحباط طموحاتهم، وبخاصة اولئك المستجدون.
معالي الوزير
جميع الخليجيين، وليس السعوديين فقط، يؤيدونك في سعيك الى توطين الأعمال التجارية، وحصر الاستفادة منها بالسعوديين، وخفض حجم التحويلات المالية الناتج من ارباح هذه الأعمال التي يديرها ويعمل بها غير السعوديين الى أدنى الحدود، لكن بدلا من التدرج في هذا الامر جاء القرار كي يزيد من معاناة السعوديين، فاذا كان غير السعودي ومنذ عقود عدة يعمل في هذا المجال ولديه القدرة على دفع الرسوم التي أقررتها فجأة، فان ابن البلد الذي يريد الحلول محل ذاك الوافد لن يكون بمقدوره ان يدفع رسوما للمستقبل عن تشغيل عمالة افتراضية.
ربما تكون قد اطلعت على الرسائل التي وجهها رجال الأعمال الى الغرف التجارية في المملكة، والاستياء العارم من الرسوم التي تفوق أرباح الشركات، وبالتالي فإنك بقراراتك تلك تعرقل الخطوة الاصلاحية المباركة التي أمر بها الملك سلمان بن عبدالعزيز بحصر مستحقات القطاع الخاص ووضع آلية دائمة لعدم تأخير دفعها، لان ما سيحصل عليه اصحاب الحقوق سيدفعونه لقاء ما يسمى الفاتورة المجمعة، ولن يكون بمقدورهم التعويض عما تكبدوه جراء التأخير في دفع المستحقات، ولا القدرة على تنفيذ المشاريع التي يعملون على تنفيذها.
حين تطلب من السعودي ان يدفع فورا تلك الرسوم العالية جدا، واذا تأخر توقف معاملاته، في وقت لم يتأهل به بعد للعمل في المهن كافة، اذ هناك مهن لا تزال غير مستساغة اجتماعيا، وهذه تحتاج الى وقت للتدرب عليها وان تصبح مقبولة اجتماعيا، وتفرض على المواطن دفع مبالغ كبيرة لقاء العمل فيها، فأنت عمليا تدفعه الى عدم دخول سوق العمل، وفي الوقت نفسه تمنع غير السعودي من العمل بها، ما يعني فشل خطة توطين العمالة، واعتقد ان هذا ليس هدفك.
في هذا الشأن، ربما يكون مفيدا الاطلاع على تجارب الدول الاخرى، ففي سويسرا مثلا يعمل ابناء البلد في صناعة الساعات والشوكولاتة والبنوك والادارة، أما بقية المهن والأعمال فقد فسح المجال فيها لغير السويسريين للعمل ويخضعون للنظام الضريبي للدولة، وهناك تدرجوا في فرض الضرائب والرسوم الى الحد الذي بات فيه بمقدور كل مواطن دفعها من دون اي عناء.
معالي الوزير
ان هذه الاجراءات تغتال التنمية، وأنت وزير التنمية الاجتماعية التي يجب أن تتماشى مع الرؤية الستراتيجية للدولة، ولهذا يكون التدرج في فرض الرسوم هو الحل الامثل، اسوة بدول العالم كافة التي تعتمد النظام الضريبي، حيث هناك ما تسمى المصالحة بين الدولة والمطلوب منه دفع تلك الضريبة في حال كان المبلغ أكبر من طاقته، وهذه الدول لم تقر رسومها وضرائبها فورا، لانها، كما في المثل العربي، هي تريد العنب وليس قتل الناطور، الذي هو في هذه الحالة الاقتصاد السعودي، ولا شك معه الاقتصاد الخليجي.
ولان الحلال بيّن والحرام بيّن، فان من الحلال تشجيع السعوديين على العمل في المهن كافة، عبر تقديم التسهيلات لهم، وازالة العراقيل من طريقهم، كي لا يصبح الاجراء تحريما عليهم العمل وخدمة بلادهم، فغالبية هؤلاء لا يزالون في بداية طريقهم، واليوم حين يجدون أنفسهم مطالبين بدفع هذه المبالغ الكبيرة سيضطرون الى الخروج من سوق العمل.
من المفيد جدا الأخذ بنتائج تجربة الثورة على الفساد التي أطلقتها القيادة السعودية قبل أشهر، فهي أوقفت رجال الأعمال المتورطين في الفساد، ولم تقفل شركاتهم أو توقف أعمالهم، ولا حتى منعت تخليص معاملاتهم، وكانت هناك مصالحة أدت إلى استعادة مئة مليار دولار، وهذه الخطوة لم تؤد حتى الى أي قلق في الأسواق لأن القرار اتخذ بعد دراسة متأنية، وأدير بحكمة وفطنة، على العكس تماما من قرار الفاتورة المجمعة الذي أثار استياء رجال الأعمال السعوديين.
كل محب للمملكة يتمنى أن تدار الأعمال فيها من قبل السعوديين، وأن يبقى الاقتصاد في حركة تطور وتوسع دائمة لأن قوما تعاونوا ما ذلوا، ولكي يتحقق ذلك نتمنى العودة عن هذا القرار كي لا يأتي يوم تقول معاليك ياليت لم نتخذ هذا القرار المفاجىء الذي تحول أزمة اقتصادية في المملكة ودول الخليج كافة وهي بغنى عنها.
معالي الوزير
اعذرني على صراحتي في تناول هذا الأمر، لكن شعوري أن خليجنا واحد وايمانا بقول الرسول الكريم(صلى الله عليه وسلم):”المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص”، وحتى يبقى هذا البناء الاقتصادي سليما معافى، وأن نعمل وفق حديثه الشريف”مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد ؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر”، فانني أتوجه إليك بهذا الكلام لأنني أرى في قرارك مؤشرات على حمّى تستدعي منا جميعا السهر على إبعادها عن الجسد الخليجي عموما والسعودي خصوصا.
ومنا الى ولي الامر المحب لوطنه وشعبه وخليجه، الذي منحنا الفرصة لنشير الى مكامن العيوب، ونحن على يقين تام ان ما تقدم سيكون امام ناظريه.
أخيرا يا معالي الوزير صديقك من صَدَقَك ﻻ من صدَّقك.