وسائل الإعلام الأميركية والهوس بدونالد ترامب

0 215

خلف أحمد الحبتور

المحطات التلفزيونية الأميركية التي كانت ذائعة الصيت فيما مضى، وكانت معروفة بمهنيتها في جمع الأخبار وحياديتها في التقارير وتغطية مناطق الحروب والنزاعات بأسلوبٍ لا غبار عليه، هذه المحطات تحوّلت منبراً للأشخاص الذين يمقتون الرئيس الأميركي. فقد عدد من تلك المحطات مهنيته، فضلاً عن تراجع مصداقيتها في نظر أولئك الذين كانوا يعوّلون عليها لمواكبة الأخبار الدولية، وأنا كنتُ واحداً منهم.
باتت هذه المحطات تكررعلى مسامعنا رأياً منحازاً لطرف واحد وتروّج باستمرار لدعاية سياسية مغرضة. إذا اخترتم مشاهدة أي من القنوات الأميركية في أي وقت من النهار أو الليل، لن تقعوا سوى على معلّقين يشرحون كل خطوة يُقدم عليها الرئيس دونالد ترامب، وكل كلمة يتلفظ بها حول الجائحة، أو الصحوة الاجتماعية على خلفية اللامساواة العرقية.
تستضيف هذه المحطات مَن يسمّون أنفسهم خبراء في مجالاتهم، وهؤلاء لا ينفكون عن بث السموم ضد ترامب، بتحريض متواصل من مقدّمي البرامج. في الواقع، يتكوّن لدي انطباع أن الدعوات التي تُوجَّه إليهم للإطلالة عبر الهواء مشروطة بقدرتهم على تلقين المشاهدين مشاعر الكراهية والضغينة حيال القائد الأعلى الأميركي الذي انتخب ديمقراطياً.
لا شك أن علاقة ترامب مع الحقائق الراسخة هي أشبه بعلاقة الزيت بالماء. فغالباً ما يعمد إلى المبالغة في الإحصاءات، ويميل إلى إضفاء لمسة إيجابية على الأخبار السيئة. إنه متفائل ومناضل. ولولا ذلك، لكان استقال قبل أشهرعدة نظراً إلى ما يتعرض له من انتقادات يومية لاذعة وتكهنات لا أساس لها بشأن صحته العقلية.
في تاريخ الولايات المتحدة لم يسبق أن واجه أي رئيس أميركي هذا الوابل من الهجمات الإعلامية والسخرية المبتذلة في الصحافة، ولا اصطدم بهذا القدر من الخيانة والغدر من معاونين سابقين يضعون مؤلّفات مربحة مادياً يكشفون فيها كل شيء عن الفترة التي أمضوها في البيت الأبيض. لقد طُعِن في الظهر مراراً وتكراراً من أشخاصٍ كانوا محلّ ثقته.
وقد انضمت ابنة شقيقه ماري ترامب، التي خاضت نزاعاً معه على ثروة العائلة قبل عقود، إلى قافلة المنتفعين من وضع المؤلفات عنه من خلال إصدارها كتاباً وصفت فيه الرئيس بأنه سليل أسرة سامّة و”نرجسي” يشكّل خطراً على كل مواطن أميركي.
يا له من إخلاص للرابط العائلي! كتاب ماري ترامب مليء بالاتهامات والروايات والآراء الانتقادية التي يقول النقّاد إنها غير مدعومة بالأدلة. لم يكن مثل هذا الكتاب ليبصر النور مع الناشرين الذين يحترمون القرّاء والذين يمتنعون عن نشر القدح والذم.
بمعزل عن المناسبات التي أخطأ فيها ترامب التعبير، حيث غالباً ما كان سببا في التفكير بالتمني لا رغبة من جانبه في خداع الآخرين، يجب أن يكون الرئيس موضع ثناء انطلاقاً من حبّه الكبير لبلاده. لقد تسلّم سدّة الرئاسة بصفته مرشحاً عن المحافظين، وتعهّد بتعزيز الجيش وتعيين قضاة ذوي ميول محافظة في المحكمة العليا. ووعد بإجراء خفوضات كبيرة في الضرائب، وقال إنه لن يكتفي فقط بتحقيق النمو الاقتصادي، بل سيعمل أيضاً على خلق فرص عمل.
وقد وفّى بجميع وعوده تقريباً. ففي عهده، شهدت البطالة تراجعاً شديداً، وارتفعت الرواتب في حين سجّلت أسعار الأسهم في البورصة مستويات قياسية. ورغم تبجّحه والتهديدات التي يطلقها، لم تخض الولايات المتحدة في حرب جديدة مكلفة خلال ولايته الممتدة لأربع سنوات، بل إنه عمد إلى سحب جميع القوات الأميركية تقريباً من سورية، وهو في صدد خفض عدد الجنود الأميركيين في أفغانستان.
لعل توقيت انتشار وباء “كوفيد 19″ هو الأسوأ للرئيس ترامب. فقد تعثّرت الأسواق، وأغلقت شركات أبوابها، وصُرِف ملايين العمّال من وظائفهم، علماً أنه لا يتحمّل أي مسؤولية في هذا الصدد. تسبّب الإغلاق بتفشّي الفقر والجوع والتشرّد. ونظراً إلى التداعيات الوخيمة التي أنذرت بوقوع كارثة اقتصادية، تسرّعت معظم الولايات في إنهاء الحجر، الأمر الذي ترتّبت عنه نتائج كارثية على صعيد الارتفاع الشديد في أعداد الإصابات والوفيّات.
تلقي محطات بارزة عدّة باللائمة على ترامب محمّلةً إياه مسؤولية الفشل في التعامل مع انتشار الفيروس، فضلاً عن تلميحها إلى أن رفض الرئيس وضع الكمامة في إطلالاته العلنية ساهم في ارتفاع معدل الإصابات.
لقد ترك الرئيس، انطلاقاً من الأسلوب المحافظ في مقاربة الأمور، حرية الخيار للناس واعتمد على حكّام الولايات لاتخاذ الإجراءات المناسبة بشأن إعادة فتح الشركات والمؤسسات. وترك للحكّام، ايضا، اتخاذ القرار بشأن إلزامية وضع الكمامات في الأماكن العامة. ففي بلدٍ مؤلّف من 50 ولاية ويبلغ عدد سكانه نحو 328 مليون نسمة، لا يمكن اعتماد سياسة واحدة وفرضها على الجميع في هذا المجال.
تتركّز التوصيات الصادرة عن فريق العمل الخاص بـ”كوفيد 19” التابع للبيت الأبيض، ومراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، ومنظمة الصحة العالمية، وكذلك عن آلاف الأطباء والعلماء، على ضرورة احترام قواعد التباعد الاجتماعي، وغسل اليدَين على نحوٍ متكرر، وتغطية الأنف والفم من أجل احتواء انتشار الفيروس إلى حين النجاح في ابتكار لقاح فعّال.
للأسف، أقبل الكثير من الأميركيين، لا سيما الشباب منهم، على ارتياد الشواطئ والحانات والنوادي بأعداد كبيرة، ظناً منهم أنهم لا يُقهرون ولم يكترثوا لصحة ذويهم أو أجدادهم الذين يمكن أن ينقلوا إليهم العدوى. وانضم آخرون إلى الاحتجاجات الحاشدة التي عمّت مختلف أنحاء البلاد على إثر مقتل جورج فلويد، الأمر الذي ساهم بلا شك في تفشّي الوباء.
وبما أن الرئيس لم يمنح تأييده لتيار “حياة السود مهمة” (Black Lives Matter) تحاول وسائل الإعلام الأميركية تصويره على أنه عنصري. علماً أن عدد ممن يدعون أتباع هذا التيار قد شاركوا في نهب المتاجر وإشعال النيران بالمباني والسيارات، والتهجّم على عناصر الشرطة فضلاً عن تخريب النصب والتماثيل.
مما لا شك فيه أن ترامب، من موقعه كرئيس دولة ومؤمن بالقانون والنظام، لا يستطيع أن يشجّع على الفوضى أو يدعم تفكيك قوى الشرطة. فهذه السلوكيات السيئة غير مقبولة في معظم البلدان، بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة.
وقد ندّد الرئيس، في خطاب ألقاه أمام نصب “ماونت” راشمور الذي يُجسّد وجوه أربعة رؤساء سابقين، بالأسلوب المعتمَد في المدارس حيث تُزرَع في نفوس الأولاد مشاعر الكراهية تجاه بلادهم، قائلاً:” يُضخَّم كل عيب وتُحجَب كل فضيلة” إلى أن “يتعرّض التاريخ للتطهير ويُشوَّه السجل تشويهاً كاملاً”.
نكنّ جميعنا تعاطفاً شديداً على الأميركيين من أصول إفريقية الذين تعرّضوا لتمييز منهجي على مدى قرون، ولكن إثارة مشاعر الاستياء لدى الأكثرية، أو السعي إلى طمس التاريخ ومعه الأبطال الذين رسموا مسار الولايات المتحدة، ولو كانت لديهم عيوبهم، لن يؤدّي سوى إلى منح مزيد من الزخم للعنصريين الذين ينادون بتفوّق العرق الأبيض، وإلى تأجيج الانقسامات العرقية.
لدى مذيع قناة “فوكس نيوز” تاكر كارلسون، نظريته الخاصة عن السبب الذي يقف خلف الضغينة الشديدة التي يكنّها اليسار لترامب، فهو يعتبر أنهم يمقتونه لأنهم يعجزون عن السيطرة عليه.
بغض النظر عما إذا كنتم تحبون ترامب أو تكرهونه، يجب احترام المنصب! وبعدما تخطّت قلة الاحترام الحدود والأعراف، قد يوضَع خلفاء ترامب في سدّة الرئاسة تحت المجهر نفسه. فكل من لديه أسرار خفيّة أو أعداء يضمرون له الأحقاد، ويتحيّنون الفرصة للانقضاض عليه، سيكون أمامه طريق صعب وشاق جداً.
إذا مُني ترامب بالهزيمة في الانتخابات في نوفمبر المقبل، هل ستلجأ قناة مثل”فوكس نيوز” مثلاً إلى توجيه انتقادات لاذعة للرئيس الجديد كما تفعل قناة”سي إن إن” و”أم أس أن بي سي” حالياً مع الرئيس ترامب، وفي هذه الحالة هل سيتحلّى هذا الرئيس الجديد بالصلابة الكافية لتحمّل هذا الألم؟

رجل أعمال إماراتي

You might also like