من وحي الناس

وسائل الإعلام والحروب الناعمة من وحي الناس

خالد عبدالعزيز السعد

لم تعد وسائل الإعلام في أيامنا هذه ناقلة للخبر فقط, ولا مرآة للأحداث, بل اصبحت اداة لتوجيه الأحداث ذاتها في منحى معين, ورسم سياسات وتشكيل اراء تجاه اي قضية من القضايا, بل ربما تجاوزت ذلك كله لتكون صانعة وواضعة للأحداث, واجنداتها في كل مرحلة من المراحل, وخلق رأي عام يتبعها وبذلك لم تعد الحروب والغزو والارهاب العدمي, وعوامل الربح والخسارة والهزيمة والنصر والتفكيك والتركيب تقتصر على ما يدور على الأرض بل اصبحت “الميديا” هي الوسيلة الانجح في تحديد وجهة اي حرب او قضية, واصبح من يملك اعلاما قويا هو الذي يحدد الاجندة, المحلية والاقليمية أو الدولية, فالتوجيه الذي تحاول كل وسيلة اعلامية فرضه على المتلقي يتم عبرها, بينما الاصل في الإعلام هو نقل الخبر بتجرد تام, ومن دون تدخل وبأمانة وصدق, ويحترم عقل المتلقي ويترك له ابداء رأيه فيه, بينما نجد وسائل الاعلام في العقود الاخيرة تعمل جاهدة على خلق صورة لدى المتلقي عكس الواقع, وذلك بتشكيل رأي عام يخدم اهدافها, بل انها تجاوزت هذه الحدود لبث الكراهية وقلب الأحداث وممارسة التحريض وتشجيع الفتن الطائفية والمذهبية والعرقية بأخبار محشوة بذخيرة التضليل, والتزييف وحرف الحقائق لان الاعلام حين تمت عولمته اصبح يؤدي دورا خطيرا في تحويل الحبة الى قبة والقبة الى حبة.,
هذا لا يعني كل الأعلام العالمي ولكن الاكثر منه فهو ينفخ في قرب ويقوم بتنفيس اخرى تبعا لستراتيجيات واجندات تستهدف الرأي العالمي أو الاقليمي او حتى المحلي, وتسعى الى بث مناخات معينة كي يبقى التوتر والقلق وارتجاج الوعي قائما, فالواقع بكل ما يعج به من احداث فإن تصويره بأمانة, وموضوعية لم يعد متاحا حتى لآلات التصوير فهي انتقائية للحدث, وقد تصاب بالعمى امام مجزرة يراد التواطؤ عليها, ولكنها تصبح زرقاء اليمامة امام حدث عابر.
فوسائل الاعلام اصبحت سلاحا اضافيا بعد الحرب العالمية الثانية ودخولنا في العولمة وهي تنافس اشد الأسلحة فتكا من دون اراقة دماء ففي عصرنا هذا اجترح الاباطرة, والطغاة والدول الباطشة اساليب للابادة الناعمة او السلمية او البيضاء واحيانا يكفي لتجريد الانسان من جوهرة الانساني وسلب هويته, وتركه في عراء التاريخ كي تكون الابادة قد تحققت على نحو ما ورغم ان هناك مصطلحات محددة اصبحت الاكثر تداولا وانتشارا في ايامنا هذه لاتمام ذلك الغرض السالب, ومنها مصطلح “الافراط” سواء تعلق بالقوة أو العاطفة او الثروة, وهناك في المقابل مصطلحات يجري تجنبها, اذا ان ما من افراط الا وله صلة بالتفريط فمن يفرطون في استخدام القوة يراهنون على ان الضحية قابلة للتفريط في اعز ما لديها كي تنجو من المصير القاتل فـ”الميديا” صارت تمارس افراطا في التفريط والخلط, والتضليل, والتزييف, وبث القلق كي لا يسترخي الزبائن قليلا, ويستعيدون التفكير, فالمطلوب عدم تحقيق ذلك الاسترخاء لان الجيف التي تثير النفور, والهلع لدى بعض الكائنات تتحول الى مواسم اعراس وافراحا لدى كائنات اخرى تعيش على تلك الجيف, والنتيجة اننا اصبحنا في زمن اصبح كل شيء فيه قابلا للتسليع ولم تعد هناك حرمة للدم او للدمع حتى لو كان النزف
من عيون الاطفال, فالفارق يوشك ان يحذف بين الحذر, وفلسفة الوقاية, وبين التعثر, وتكرار الاخطاء وذلك بسبب الاضاءة الاعلامية تكون سخية, وحارقة على مشهد ما ولكنها غائبة تماما عن مشهد آخر والمعيار االوحيد لهذا كله هي الاجندات والغايات التي تعلو على كل شيء بالنسبة للحالمين ببقاء الحال على ما هي عليه او صحوة ضمير في لحظة ما, عندئذ نجد انفسنا نبني بيوتا من الرمل على الرمل أو نكتب بقلم الحبر على الماء.

كاتب كويتي