وشهد شاهد من أهلها أمثال إسلامية وعربية... أحداث ومواقف (16)

0 3

إعداد – صبري زمزم:

الأمثال العربية كلمات خالدة عبر الزمان ، قيلت مرة في موقف داخل قصة أو حكاية لها أبطال وبطلات مشهورون أو مغمورون ، جرت على ألسنتهم فاستملحتها الأذواق، وربطت بينها وبين القصة الأصلية، وهي مورد المثل، ثم كرروها وأعادوها كلما استجد حدث يتشابه معها، وهو مضرب المثل، وبين المورد والمضرب عصور وأجيال تجتر الأمثال، فتعيد إلى الأذهان القصص الأصلية التي سُك فيها المثل كالعملة المتداولة من يد إلى يد ،ونحن هنا نحاول أن نشير إلى القصة الأصلية وراء كل مثل نذكره،بعضها من كتب الأدب وبعضها ورد في القرآن الكريم وبعضها في الحديث الشريف.

هناك من الآيات ما شاع استخدامها على الألسنة وجرت مجرى الأمثال في كل زمان ومكان وردت فى القرآن في سياق معين ارتبط بها وعندما يحدث ما يشبه هذا السياق إذا بالناس ينطقون بها للتعبير عن لسان الحال الذي هو مضرب المثل الذي يتطابق مع لسان المقال الذي يسمى مورد المثل .
ومن ذلك قوله تعالى: «وشهد شاهد من أهلها» وعن سياق الآية في القرآن يقول ابن كثير في تفسير القرآن العظيم.
قال تعالى في سورة يوسف: «وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28)»
يخبر تعالى عن امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها بمصر, وقد أوصاها زوجها به وبإكرامه، فراودته عن نفسه، وذلك انها أحبته حباً شديداً لجماله وحسنه وبهائه، فحملها ذلك على أن تجملت له وغلقت عليه الأبواب ودعته إلى نفسها، {وقالت هيت لك} فامتنع من ذلك أشد الامتناع، و{قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي} وكانوا يطلقون الرب على السيد الكبير, أي إن زوجك ربي أحسن مثواي أي مُنزلى، وأحسن إلي فلا أقابله بالفاحشة في أهله {إنه لا يفلح الظالمون}.
«وَلَقَدْ هَمّتْ بِهِ وَهَمّ بِهَا» قيل: المراد بهمه بها خطرات حديث النفس, وقيل: هم بضربها. وقيل: تمناها زوجة. وأما البرهان الذي رآه فعن ابن عباس: رأى صورة أبيه يعقوب عليه السلام عاضاً على أصبعه بفمه. وقيل عنه في رواية: فضرب في صدر يوسف. وقال العوفي عن ابن عباس: رأى خيال الملك يعني سيده حين دنا من الباب، وقال ابن جرير: رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت، فإذا كتاب في حائط البيت {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً},والصواب أن يقال: إنه رأى آية من آيات الله تزجره عما كان هم به, فالصواب أن يطلق كما قال الله تعالى. وقوله: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء} أي كما أريناه برهاناً صرفه عما كان فيه، كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره: {إنه من عبادنا المخلَصين} أي من المجتبين المطهرين المختارين المصطفَين الأخيار, صلوات الله وسلامه عليه. ويخبر تعالى عن حالهما حين خرجا يستبقان إلى الباب: يوسف هارب, والمرأة تطلبه ليرجع إلى البيت, فلحقته في أثناء ذلك فأمسكت بقميصه من ورائه، فقدّتْه قداً فظيعاً, فألفيا زوجها عند الباب, فعند ذلك ، قالت لزوجها متنصلة وقاذفة يوسف بدائها {ما جزاء من أراد بأهلك سوءا} أي فاحشة {إلا أن يسجن أو عذاب أليم} أي يحبس أو يضرب ضرباً شديداً موجعاً. فعند ذلك تبرأ يوسف مما رمته به من الخيانة, و{قال} باراً صادقاً {هي راودتني عن نفسي} وذكر أنها اتبعته تجذبه إليها حتى قدت قميصه {وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قدّ من قبل} أي من قدامه {فصدقت} أي في قولها إنه راودها عن نفسها، لأنه يكون لما دعاها وأبت عليه دفعته في صدره, فقدّت قميصه فيصح ما قالت {وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين} وذلك يكون كما وقع لما هرب منها وتطلبته، أمسكت بقميصه من ورائه لترده إليها فقدت قميصه من ورائه، وقد اختلفوا في هذا الشاهد: هل هو صغير أو كبير؟ على قولين لعلماء السلف، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم».
وقوله: {فلما رأى قميصه قدّ من دبر} أي لما تحقق زوجها صدق يوسف وكذبها فيما قذفته ورمته به {قال إنه من كيدكن} أي إن هذا البهت واللطخ الذي لطخت عرض هذا الشاب به من جملة كيدكن {إن كيدكن عظيم}.
وقد شاعت من هذه القصة وهذا النسق القرآني الفريد عبارتان وصارتا تجري مجرى الأمثال أولاهما «وشهد شاهد من أهلها» وتقال عندما تلزم إنسانا حجة جاءت من طرفه أو من أحد يمت له بصلة فلا يستطيع لها دفعا .
أما العبارة الثانية فهي «إن كيدكن عظيم» وتضرب للدلالة على شدة مكر امرأة وإحكام كيدها أو كيد النساء عموما مقارنة بالرجال.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.