محبرة وقلم

“وكل يوم مضى لي لا أراك به … فليس محتسباً باقيه من عمري” محبرة وقلم

مشعل عثمان السعيد

تصوير بديع خرج من قلب شاعر محب، حساب الأيام عند هذا الشاعر يختلف عن حسابنا، فاليوم الذي يرى فيه من يحب محسوب من أيام عمره، اما اليوم الذي يمر عليه لا يراه فيه، فليس من أيام عمره، هذاهو الحب الصادق فمقياس العمر عند هذا الشاعر بلقاء من يحب، ليس غير ذلك على الاطلاق، صاحب هذا البيت الجميل ياقوت المستعصمي نسبة الى آخر خلفاء الدولة العباسية “عبدالله المستعصم بالله” الخطاط المشهور، كان من مماليك عبدالله المستعصم، لقبه جمال الدين ابو الدر، ورد نسبه في عدد من المراجع الادبية، منها وفيات الاعيان لابن خلكان، الذي اورد نسبه كالتالي: ياقوت بن عبدالله الرومي المستعصمي الطواشي البغدادي الملقب: “قبلة الكتاب” كاتب وأديب من اهل بغداد رومي الاصل، له كتب عدةمنها: اسرار الحكمة، واخبار الشعراء، وورد ذكره في كتاب “النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة” الذي ذكر فيه انه كان خصيصا عند مولاه الخليفة عبدالله المستعصم بالله، رباه وادبه وتعهده حتى برع في الادب والشعر والنثر، وانتهت اليه الرياسة في الخط المنسوب.
عاش ياقوت عيشة هانئة في دار الخلافة حتى اجتاح المغول بغداد، وقتلوا سيده، (656هـ) فلجأ الى مئذنة كانت السبب في نجاته من القتل، ثم ما لبث ان نال حظوة عند رئيس ديوان الممالك من قبل هولاكو، علاء الدين عطا ملك الجويني، الذي عينه خازنا في دار الكتب المستنصرية ما هيأ له مرة اخرى حياة رغدة، كان دائم الكتابة، يسير من حسن الى الأحسن، موقر كثير التجمل والحياء، تتلمذ عليه كثيرون وهو القائل:
تجدد الشمس شوقي كلما طلعت
الى محياك يا سمعي ويا بصري
واسهر الليل ذا أنس بوحشته
اذ طيب ذكرك في ظلمائه سمري
وكل يوم مضى لي لا اراك به
فلست محتسبا باقيه من عمري
ليلي نهار اذا ما درت في خلدي
لان ذكراك نور القلب والبصر ومن ابياته السائرة قوله :
صدقتم في الوشاة وقد مضى
في حبكم عمري وفي تكذيبها
وزعمتم اني مللت حديثكم
من ذا يمل من الحياة وطيبها
ومن شعره في تنبيه الغافلين وتذكيرهم بالموت:
اتعتقدون ان الملك يبقى
وان العيش في الدنيا يدوم
ولا يجري الزوال لكم ببال
كأن الموت ليس له هجوم
فهبكم نلتم ما نال كسرى
وقيصر والتتابعة القروم
ومتعتم بذلك عمر نوح
وحفتكم بأسعدها النجوم
اليس مصير ذاك الى زوال
لعمر أبي لقد هفت الحلوم
يعد ياقوت المستعصمي من اعلام الخط العربي واول من ذاعت شهرته في هذا الفن الجميل بالعصر العباسي، الخطاط الضحاك بن علجان في بداية قيام هذه الدولة، ثم الخطاط اسحاق بن حماد، ثم ابراهيم الشجري بعد ذلك فأخوه يوسف الشجري في نهاية القرن الثالث الهجري، ثم محمد بن مقلة، ثم تتابع الخطاط بعد ذلك حتى ظهر ابن البواب، علي بن هلال في القرن الخامس الهجري الذي انشأ مدرسة للخط، اما انواع الخطوط العربية فهي: الخط الكوفي، خط الرقعة، خط النسخ، خط الثلث، الخط الفارسي، خط الاجازة، الخط الديواني، خط الطغراء، وبالعودة الى ابو الدر المستعصمي، فقد ذكر ابن كثير الدمشقي ان وفاته كانت سنة ثمان وتسعين وستمائة للهجرة وكذلك الذهبي، وفي النجوم الزاهرة، ولابد ان اشير هنا الى امر مهم، وهي ان البعض يخلط بين ياقوت المستعصمي هذا، وياقوت الموصلي الكاتب، وياقوت الرومي، وكلهم لقبه ابو الدر، وكلهم ابوه عبدالله، من هنا جاء الخلط، اما ياقوت الموصلي فلقبه «امين الدين» من اهل الموصل، وكان من أشهر الخطاطين في عصره، ولم يكن في زمانه من يقاربه في حسن الخط، مع فضله الغزير ونباهته، وكانت له شهرة واسعة في وقته، وقصده الناس من كل مكان للاستفادة من علمه، خصوصا النحو، وقد كتب الصحاح) للجوهري، فكانت النسخة تباع بمئة دينار، وله أشعار رائعة منها قوله:
اين غزلان عالج والمصلى
من ظباء سكن نهر المعلى
أبتلك الكثبان اغصان بان
وبدور من افقها تتجلى
أم لتلك الغزلان حسن وجوه
لو تراءت للحزن اصبح سهلا
وقد توفي أمين الدين في الموصل، سنة ثماني عشرة وستمائة للهجرة، ياقوت الثالث وهو ايضا ابو الدر كمن سبق، وابوه عبدالله، وهو ياقوت الرومي، الملقب: مهذب الدين، عالم أديب، اجاد النظم وسمى نفسه عبدالرحمن” وقد نشأ في بغداد وهو القائل:
ان غاض دمعك والاحباب قد بانو
فكل ما تدعي زور وبهتان
وكيف تأنس او تنسى مودتهم
وقد خلا منهم ربع وأوطان
ساروا فسار فؤادي اثر ظعنهم
وبان جيش اصطباري ساعة بانوا
اجرى دموعي واذكى النار في كبدي
غداة بينهم هم واحزان
وجد ياقوت الرومي ميتا في بيته سنة اثنتين وعشرين وستمائة للهجرة وكان قد توفي قبل ذلك بأيام، هؤلاء هم الثلاث يواقيت ذكرتهم لكم كل ياقوت منهم على حدة.
جف القلم ونشفت المحبرة دمتم سالمين

كاتب كويتي

Print Friendly