ومن العجائب لا أبا لك أنني ضربت على الأرض بالأسداد محبرة وقلم

0 175

هذا الشاعر يعجب من الحال التي وصل اليها فهو لم يعد يرى شيئاً، كُف بصره وضعفت قوته وطعن بالسن لذا قال بعد ذلك:
فإذا النعيم وكل ما يُلهى به
يوم يصير الى بلى ونفاد
وقول هذا الشاعر ” لا أبا لك” جملة اعتراضية المقصود بها التنبيه والعرب تقول في معرض المدح لا ابا لك أي ليس لك غير نفسك، ولا تعني الذم. يقول زهير بن أبي سلمى:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش
ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
وبالعودة لبيت الشعر فهو ضمن قصيدة دالية تعد من فاخر الشعر العربي، يقولها الشاعر الجاهلي الأسود بن يعفر الدارمي التميمي من سادات بني تميم من أهل العراق، ذكر الاصفهاني في الأغاني انه الأسود بن يعفر “بضم الياء” بن عبد الأسود بن جندل بن سهم بن نشهل بن دارم بن مالك بن حنظلة، وأمه رهم بنت العباب من بني سهم بن عجل، شاعر متقدم فصيح ليس بالمكثر، وجعله محمد بن سلام في الطبقة الثامنة من خداش بن زهير والمخبل السعدي والنمر بن تولب العكلي.
اشتهر الأسود بن يعفر بالفصاحة ونادم النعمان بن المنذر وهو من العشي، ويقال العشو، المعدودين في الشعراء ولما أسن كف بصره وقيل له أعشى بن نهشل وكانت داليته مشهورة يتثمل بها الناس، ومن ذلك ما رواه محمد بن يزيد بن سنان عن جده سنان بن يزيد انه قال له: كنت مع مولاي جرير بن سهم التميمي وهو يسير أمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب ويقول:
يا فرسي سيري وأمي الشاما
وخلفي الأخوال والأعماما
وقطعي الاجواز والاعلاما
وقاتلي من خالف الاماما
فلما انتهى الى مدائن كسرى وقف الامام علي ووقفنا فتمثل مولاي بقول الاسود بن يعفر:
جرت الرياح على مكان ديارهم
فكأنما كانوا على ميعاد
فقال له علي رضي الله عنه، فلم لا تقل كما قال الله عز وجل:
“كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكين كذلك وأورثناها قوما آخرين” سورة الدخان – الآيات 26 و27 و28 يقول الأسود:
نام الخلي وما أحس وقادي
والهم محتضر لدي وسادي
من غير ما سقم ولكن سفني
هم أراه قد أصاب فؤادي
ومن العجائب لا أبالك أنني
ضربت عليّ الأرض بالاسداد
لا اهتدي فيها لموضع قلعة
بين العراق وبين أرض مراد
ولقد علمت لو اني علمي نافعي
ان السبيل سبيل ذي الاعواد
ان المنية والحتوف كلاهما
يوم المخارم يرميان سوادي
ماذا أؤمل بعد آل محرق
تركوا منازلهم وبعد إياد
أهل الخورنق والسدير وبارق
والقصر ذي الشرفات من سنداد
أرضا تخيرها لدار أبيهم
كعب بن مامة وابن ام دؤاد
جرت الرياح على مكان ديارهم
فكأنهم كانوا على ميعاد
نزلوا بأنقرة يسيل عليهم
ماء الفرات يحيى من اطواد
فإذا النعيم وكل ما يلهى به
يوما يصير الى بلى ونفاد
اما تريني قد بليت وغاضني
ما نيل من بصري ومن أجلادي
وعصيت أصحاب الصبابة والصبا
وأطلعت عاذلتي ولان قيادي
فلقد اروح على التجار مرجلا
مذلا بمالي لينا اجيادي
ولقد لهوت وللشباب لذاذة
بسلافة مزجت بماء غوادي
ويقول فيها ايضا:
اين الذين بنوا فطال بناؤهم
وتمتعوا بالأهل والأولاد
وهذه بعض أبياتها فهي 44 بيتا، ولما أسن وكف بصره وضعف بدنه، فكان اذا أراد ان يذهب مكانا يقاد إليه قال:
قد كنت أهدي ولا أهوى فعلمني
حسن المقادة اني افقد البصرا
امشي واتبع جذابا ليهديني
ان الجنيبة مما تجسم الغدرا
روى صاحب الأغاني بسنده ان الاسود بن يعفر كان مجاورا في بني قيس بن ثعلبة ثم في بني مرة بن عباد بالقاعة، فقامرهم فقمروه، حتى حصل عليه تسعة عشربكرا، فقالت ام الاسود رهم بنت العباب لهم: يا قوم اتسلبون ابن اخيكم ماله؟ قالوا: فماذا نصنع؟ قالت: احبسوا قداحه، ففعلوا ثم جاء الأسود بعد ذلك ليقامرهم فأبوا وردوا قداحه، فقال: لا اقيم بين قوم لا اضرب فيهم بقدح، ثم احتلم قبل دخول الاشهر الحرم، فاخذت ابله طائفة من بكر بن وائل فاستنجد الاسود ببني مرة بن عباد وذكرهم بالجوار وقال لهم:
يا آل عباد دعوة بعد هجمة
فهل فيكم من قوة وزماع
فتسعوا لجار حل وسط بيوتكم
غريب وجارات تركن جياع
فلما بلغتهم أبياته ساقوا اليه مثل ابله قال ابو عمرو: كان مسروق بن المنذر بن سلمى بن جندل بن نهشل سيدا جوادا ومؤثرا للاسود بن يعفر، كثير الرفد له، والبر به فمات مسروق واقتسم اهله ماله وبان فقده على الاسود فقال:
اقول لما أتاني هلك سيدنا
لا يبعد الله رب الناس مسروقا
من لا يشيعه عجز ولا بخل
ولا يبيت لديه اللحم موشوقا
مردي حروب اذا ما الخيل ضرجها
نضخ الدماء وقد كانت افاريقا
الطاعن الطعنة النجلاء تحسبها
شنا هزيما يمج الماء مخروقا
وجفنة كنضيخ البئر متأقة
ترى جوانبها باللحم مفتوقاً
يسرتها ليتامى او لأرملة
وكنت بالبأس المتروك محقوقا
يا لهف أمي اذا أودى وفارقني
أودى ابن سلمى نقي العرض مرموقا

دمتم سالمين
كاتب كويتي

You might also like