وهنوا وضعفوا واستكانوا!

د. حازم علي ماهر

د. حازم علي ماهر

الوهن والضعف والاستكانة كلها ألفاظ تدل على الهوان وقبول الاستضعاف من الآخرين، والرضا به، بحيث لا يقوم الواهن بأي سلوك مقاوم لاستغلاله، وقد لا يفكر في المقاومة أساسًا متلذذا بضعفه وباستعباده وقهره.
جاء في تفسير العز بن عبد السلام (1/ 287) عن ابن إسحاق أن «الوهن: الانكسار بالخوف، والضعف: نقص القوة، والاستكانة: الخضوع».
والناظر إلى كثير من المسلمين الآن يجد أنهم قد خضعوا تمامًا لمن حرصوا على استضعافهم واستغلالهم، سواء على المستوى الأممي أو الوطني أو الجماعي أو الفردي، ولسان حالهم يصرخ بالقول: «يا عزيزي كلنا مستضعفون»، «احنا ماشيين جنب الحائط»، «كلنا عبد المأمور»!
فعلى المستوى الأممي ستجد أننا أصبحنا أمة تتداعى علينا الأمم –كما أنبأنا نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم- فبتنا أمة مستضعفة من سائر الأمم التي لا تكاد تتحد فيما بينها إلا علينا.
وعلى المستوى الوطني، أو على مستوى الشعوب الوطنية، تسيد المستبدون الذين رضوا بأن يكونوا مجرد وكلاء لقادة الأمم المعادية للإسلام ولنظامه الأخلاقي والمعرفي المستقل والمقاوم، وبعضهم سعوا إلى ذلك طواعية وأهدروا ثروات شعبوهم لهذا الغرض المهين، بينما رضيت الشعوب بتلك المهانة المضاعفة، ورضخت للاستعباد المزدوج إلا من رحم الله، وهم قليل.
أما على المستوى الجماعي فقد سادت الكثير من مؤسساتنا الحكومية والأهلية حالة من الوهن والاستكانة تجاه سياسات ظالمة هيمنت على تلك المؤسسات تهدر فيها أبسط قواعد العدالة والمساواة، وتقدم معيار الولاء على معيار الكفاءة، فتقدم أهل الثقة على أهل الولاء، من دون أن نلمس مقاومة حقيقية وفعالة ممن لا يجيدون التلون والتحول والنفاق، وهو أمر شاع حتى في كثير من تلك التنظيمات التي رفعت شعارات دينية إصلاحية رنانة بينما هي تئن تحت قيادات تقدم معيار الثقة والولاء لأشخاصها على حساب الولاء لرسالة تلك التنظيمات وأهدافها المعلنة!
أما على المستوى الفردي فقد رضي الأفراد بقهرهم وهدرهم في سائر مراحل حياتهم، من أول أسرهم التي ظن أربابها أن التربية الصحيحة تكون عبر القمع والإجبار على الطاعة العمياء، ثم من خلال مدارسهم وجامعاتهم التي ترسخ الأمر نفسه عبر تعليم تلقيني وتربية مريضة تقمع شخصية الدارسين وتعتبر المبدع المتسائل متمردًا لحوحًا يتعين تأديبه، حتى إذا خرجوا إلى الحياة العملية وجدوا الحال كما رأينا فإذا بهم يطيعون في استكانة، ويرضون بالدنية في دنياهم حتى يظلوا مواطنين صالحين بمعيار مجتمعاتهم المقهورة المتخلفة!
وقد ساعد على هوان الأمة ومجتمعاتها وأفرادها خطاب ديني مساند للاستبداد بأنواعه رغم من أن المخاطِبين (بكسر الطاء) يتحدثون عن دين جاء في حقيقته ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، فإذا بهم –على سبيل المثال- يبالغون في قوامة الرجل على المرأة ويصورون العلاقة فيما بينهما على أنها علاقة تبعية مطلقة على المرأة فيها أن تستكين لسيدها، وهو الأمر نفسه بخصوص المواطن الذي عليه –وفق هذا الخطاب المهين المستكين- أن يخضع للحكام خضوعًا مطلقًا ولو حال معظمهم بينه وبين الحرية التي هي مناط مسئولية الإنسان ومقصد من مقاصد رسالة الإسلام، أو حرموه من قيم دينية أساسية في الحكم، كالعدل والشورى وسيادة الشريعة الإسلامية على ما عداها من الشرائع، بل وحتى لو أظهروا الفساد في البر والبحر، وفي الجو كذلك.
هذه السلسة من الهوان أوجز النبي صلى الله عليه وسلم في بيان سببها الرئيس، حين عزا الوهن الذي سيصيب الأمة إلى «حب الدنيا وكراهية الموت»، وهو الركيزة الأساسية لكل رضا بالدونية؛ الحرص الزائد على الدنيا من حيث هي دنيا، والمبالغة في الخوف من مغادرتها المطلقة، والذي يدفع بصاحبه إلى الرضوخ والتنازل عن عزة نفسه وأهله ومجتمعه الصغير والكبير وأمته والإنسانية جميعها .

وإذا ساد الخوف -أو الجبن والهلع- الأخلاق، فقد الإنسان قدرته على قيادة نفسه، وسلمها لكل متسلط مستبد تتحكم فيها وتتلاعب بها وترميها إلى حيث شاءت، بينما هو تكفيه «حياة» ذليلة يحرص عليها ويعض عليها بالنواجذ، ولو قامت على إهدار كرامته وحقوقه وحرياته.
وقد أبدع د. مصطفى حجازي في كتابه “التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، ص 196” في التعبير عن أثر علاقة القهر «بما تتضمنه من قمع وإرهاب وتضليل»، على صورة الذات عند الإنسان المقهور، والتي تتلخص في شعوره بشعور ممض ومثير للذعر بانعدام القيمة، بهدر الإنسانية، بإحساس بالاختناق نظراً لاستحالة التعبير عن الذات وتوكيدها من خلال صرخة احتجاج أو نداء. مما يصيبه بجرح نرجسي جذري. كما أن هذه الصورة تفجر على صعيد آخر عقدة «خصاء» شديدة, إنها صورة الإنسان العاجز [المنكسر]، رغم ما يتوسله من أقنعة وأدوات تمويه ليغطي بها عريه الوجودي.
فالهزيمة النفسية التي يخلفها قهر الإنسان وهدر إنسانيته تودي به إلى مزيد من الاستسلام والاستكانة لهذا القهر والهدر الذي يزيد من تمكين أعدائه منه ومن مصيره، فكرًا وسلوكًا، فيقبل مع الوقت هذا الحال ويرضى به، ويعيش في طاعة المتسلط عليه كالميت بين يد مغسله؛ لا اعتراض ولا حراك ولا مدافعة، فيصدق فيه قول المتنبي: «ومن يهن يسهل الهوان عليه، وما لجرح بميت إيلام»!

فهل من سبيل للخروج من حالة الوهن الني نمر بها؟

سؤال جدير بالمناقشة في المقالة المقبلة بإذن الله.

كاتب مصري
hazemali72@hotmail.com