وين رايحين؟…

0 291

الكويت مازالت تجتر أزماتها ولا أمل في وضع حد للجعجعة التي لم تنتهِ يوماً إلى طحين
بعد 28 عاماً من التحرير… ماذا تغيَّر؟ لا شيء الحكومة تغرق بشبر ماء الابتزاز وتخشى المواجهة
تشريعات همايونية في مجلس الأمة تناقض رؤية “الكويت 2035” وتنتج ظواهر كانتشار المخدرات
المتنفذون يوظفون نواباً متمصلحين للكيد للوزراء والتطاول على الدولة عبر أبواق معروفة تابعة لهم
الكويتيون يريدون حكومة قرار لا تدير بالاً لمتنفذ أو متمصلح مفتوح الشهية على أي شيء

“وين رايحين؟” سؤال أستعيره من المغفور له الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح، الذي كان يُردده عند كل أزمة وتصعيد سياسي، وهي الحال التي لم تتغير منذ عقود، وكأن الكويت تعيش في دائرة مقفلة لا تعرف مخرجاً لها، فتجتر أزماتها من دون أي بصيص أمل في وضع حد لهذه الجعجعة التي لم تنته يوماً إلى طحين، حتى في عز أزمتنا الكبرى، كان هناك من يراهن على استغلال الوضع لمصلحته، ضارباً بمفهوم الدولة عرض الحائط، مقدماً ذاته على الجميع، كأنه الكويتي الوحيد على هذه الأرض الذي له حق في كل شيء، ولا يمكن للآخرين أن يعترضوا مجرد اعتراض.
للأسف، إن الكويتيين لم يتعلموا من تجارب الماضي، ولا حتى من أصعب الدروس وأكثرها مرارة، أعني الغزو العراقي، يومذاك كان الضجيج السياسي على أشده، وديوانيات الاثنين وغيرها، والمناكفات السياسية التي قرأ فيها صدام حسين خلافاً مصيرياً بين أبناء الوطن الواحد، يمكنه النفاذ منه إلى احتلال الكويت، ورغم فشله في ذلك، وتيقنه أن الكويتيين لا يمكن أن ينقلبوا على تاريخهم وذواتهم، حيث واجهوه بموقف واحد صلب، إلا أن ذلك كان بعد وقوع المأساة.
يومذاك، كان القول واحداً من الأمير، المغفور له الشيخ جابر الأحمد، حتى أصغر كويتي: “المهم أن نعود ونعيش في خيمة على أرض الكويت”، وعدنا بعدما وقف العالم إلى جانب الحق الكويتي، لكن ماذا فعلنا بعد العودة؟ هل سعينا إلى بناء وطن حقيقي ودولة قوية وغيَّرنا من سلوكنا السابق، أم أن حليمة عادت إلى عادتها القديمة، فغرق من غرق في طمع الحصول على كل شيء جاعلاً نفسه فوق المحاسبة؟
اليوم وبعد مرور 29 عاما على الغزو، و28 عاما على التحرير، ماذا تغير؟ لا شيء، بل على العكس زاد ضعف الدولة، وتعطلت المشاريع، وكثر تغيير الحكومات إلى حد باتت الكويت تنافس نفسها في عدد مجالس الوزراء، وحل مجلس الأمة مرات ومرات، فيما بقيت الذهنية هي…هي، نائب يترصد لوزير لم يحقق له مطالبه غير الشرعية، أو وزير يتخاصم مع نائب فتغرق الحكومة بشبر ماء الابتزاز كي لا تذهب إلى المواجهة.
سياسي أو متنفذ يختلف مع وزير يوظف مجموعة من النواب المتمصلحين منه للكيد للوزير، ويتطاول على الدولة ككل، مستخدما وسائل التواصل الاجتماعي وأبواقاً تابعة له، تُصوِّر الذين يعارضونه شياطين، أَلم يحصل هذا عندما وقف نواب”الإخوان” في وجه الوزير الراحل الشيخ سعود الناصر في مشروع حقول الشمال، سعياً منهم للانتقام منه على موقفه أثناء الغزو حين كان سفيراً في واشنطن ورفضه منحهم 50 مليون دولار؟
أَلم يحدث هذا في مشروع الداو، وقد خسرت الكويت بسبب المشروعين عشرات المليارات، وفرص عمل لنحو 20 ألف كويتي؟ وفي المقابل ماذا حقق الذين وقفوا ضد المشروعين، هل قدموا غيرهما، أم أنهم استمروا في حلب ضرع الدولة، وتوظيف المال العام من أجل مصالحهم الشخصية؟ أهذه هي الوطنية الحقة؟
منذ سنوات رفعنا شعار “الكويت 2035” وأن تتحول مركزاً مالياً وتجارياً عالمياً، فماذا فعلت السلطة التشريعية في هذا الشأن؟ هل أقرت القوانين التي تمهد لذلك، أم أقرت تشريعات همايونية تقفل البلاد، وتعزلها عن العالم، بدءاً من منع الاختلاط، مروراً بمنع السياحة الناشئة، وصولاً إلى قوانين الحد من الحريات الاقتصادية والشخصية؟
المؤسف في كل ذلك أن هؤلاء يدركون جيداً كيف يثيرون حماسة العامة الواقعة بين سندان لعبة مصالحهم ومطرقة التخلف، ورغم ذلك يثيرها شعار من هنا، وعبارة من هناك، على شاكلة اتهام الناس بالرشوة، والنهب والسرقة، و”الكويت ليست للبيع”، وهذا “المشروع دولة داخل الدولة”، وذاك قبيض، أو “أخلاقنا خط أحمر”، و”تاريخ الأجداد خط أحمر”، وغيرها الكثير من الشعارات الرنانة فيما الحقيقة غائبة، والسلطة التشريعية مستفيدة من الاهتراء الذي وصلت إليه الحال، تسن القوانين التي تزيد الحد من الحريات الشخصية، غير عابئة بما أنتجته من ظواهر سلبية اجتماعية على رأسها انتشار المخدرات بشكل مخيف وتعاظم ظاهرة البلطجة بأشكالها المختلفة تحت شعار: “اللهم نفسي ومن بعدي الطوفان”.
لا يا سادة، ما هكذا تبنى الدول، وما هكذا تمارس الديمقراطية أو المواطنة الحقة، فالحال الشاذة هذه ليست موجودة إلا في الكويت، تلك هي الهند أكبر الديمقراطيات في العالم، وتلك هي المملكة المتحدة والدول الاسكندنافية وغيرها العشرات من الدول التي تعتمد الديمقراطية نظاماً، لكنها لم تنحرف نحو توظيف هذا النظام الحضاري تعطيلاً لمشاريع الدولة من أجل مصلحة شخص، أو للكيد لفلان أو علان.
ربما هناك من يسأل عن المسؤول عن كل هذا الخراب، والجواب ليس معجزة، المسؤول هو مطبخ القرار، الحكومة التي ترتعش من سؤال، وتخور قواها من استجواب، فيما المطلوب أن تكون حكومة قرار تواجه حين تجب المواجهة، وتبين الحقائق، تنفذ مشاريعها ولا تدير بالاً لمحاصصة، أو لمتنفذ شهيَّته مفتوحة على الاستئثار بكل شيء، أي أن تكون لدينا حكومة غير مخترقة، لا يتمرد فيها وكيل على وزير فيستقوي كل منهما بعزوته النيابية والمتنفذين الذين يتمصلحون منه.
في الكويت، وبعد نحو ثلاثة عقود على التحرير، نشأت ديكتاتورية نيابية وضعت نفسها فوق كل السلطات، فيما السلطة التنفيذية، للأسف، باتت أشبه بساعي بريد أو مُخلِّص معاملات للنواب، وماتت المشاريع في الأدراج، وكل مشروع يعلن عنه هناك من يتنطع لمحاربته، لأنه مختلف مع هذا الوزير أو ذاك، أو لأنه لم يحصل على حصة من كعكته، لهذا نعود إلى السؤال:”وين رايحين”؟ أليس على الكويتيين أن يتقوا الله في بلدهم في ظل البراكين المتفجرة من حولهم، أم أن الأنانية أعمت البصيرة؟
بئست الديمقراطية التي نتغنى بها بعد أن تكون الكارثة قد وقعت، فإذا تيسر لنا في الماضي مَنْ وقف إلى جانب الحق الكويتي، فلا أعتقد أن أحداً في هذا العالم اليوم سيلتفت إلينا في الوضع الذي تعيشه المنطقة، فالكل لديه ما يكفيه من أزمات ضاغطة تشغله عن غيره أو تدفعه لتصديرها إلى الخارج، بينما في الكويت نعيش مراهقة سياسية تفتح الأبواب على المجهول.

أحمد الجارالله

You might also like