ياسين عدنان: أريد القصيدة مُرةً تكتب في سوادها هذا الصداع شاعر وكاتب مغربي يفتح شبابيكه على "الأصص" الحزينة وبقايا النساء

0

القاهرة – شريف حمودة:

يفتح الشاعر والكاتب المغربي ياسين عدنان شبابيكه على الأصص الحزينة وبقايا النساء، يتشابك صدره العاري مع الرياح الهادرة، وغريب المصادفات. حروفه تشبهه، صارمة صادمة صادقة، كطلقات رصاص تهز السكون بدويّ يترك أثرا بعد زوال المفاجآت.
اصطدم ياسين عدنان بأرضية العالم بغتة، طارئا كانقلابٍ، جافا كَنَعْيٍ، فكانت قصيدته مختلفة، تدل عليه حيثما كان. هنا، يتحدث عدنان (المولود في مدينة آسفي المغربية في العام 1970) عن علاقته بالكتابة، ومختاراته الشعرية التي صدرت في القاهرة منذ فترة وجيزة.
ما من قضية تليق بالشعر إلا الشعر نفسه، فقصيدة البطولات والمعارك الكبرى
هي نص يحلق بجناحين اصطناعيين، مهما تكن أهمية وقيمة هذه الروافد الداعمة للشعر من خارج حقله الصافي الشفيف.
وفق هذه الرؤية، يضع المغربي ياسين عدنان قدمه على سطح القصيدة، حافيا متجردا. هكذا هو، من دون قضيةٍ مناسِبةٍ، وبلا مناسَبةٍ تقريبا. يمر عاديا، في شهور عادية، وبشكلٍ عاديٍّ يمارس الكتابة، في لون الحياة تماما، وهل الكتابة إلا هذه الحياة؟
«الطريق إلى جنة النار» عنوانٌ لمختارات ياسين عدنان الشعرية الصادرة حديثا في القاهرة عن الهيئة العامة للكتاب، ووصفٌ في الوقت نفسه لرحلته الشائكة الشائقة مع الكلمة، شاعرا وساردا، حيث يحمل سماءً بأجْراسٍ مُقرَّحَة على كتفيه، وينوء بغيومٍ من المِلح والنُّعاس.
بلوغ الجنة لا يخلو من الاكتواء، ولطائف النسائم لا تنعدم فيها الأنياب، فلا ثقة ولا طمأنينة في كون يدثره الظلام ويحقنه العصف، طالما أن البُروق من حول البشر مُفخَّخة، والريح تعوي باستمرار.
فوق هذا البرزخ اللامستقر، تتحسس القصيدة بدورها مكانها المتذبذب على حافة السرد، وتنفتح القصة والرواية باستحياء على آفاق الشعر وآلياته، وترتسم تجربة ياسين عدنان القزحية كأحد أصوات الحساسية الجديدة في المغرب منذ تسعينات القرن الماضي: «لماذا أنتَ ساهمٌ هكذا أيّها العالَم، فيما النارُ تشتعِلُ في تلابيبِ عباءَتكَ، التي من عُشبٍ وأنهار؟ لِمَ تبد واجما، كمَنْ وجدَ نفسهُ في مَأتمٍ بالصُّدْفةِ، والفوانيسُ في حظيرةِ المَصائرِ، تقتادُ قُطْعانَ الرِّيح في مُظاهرةٍ حالكةٍ ضدَّ الصباح؟ لكمْ أنتَ مشلولٌ وعاجزٌ، وعديمُ الجَدْوى».
في هذه الطبيعة الخاصة، الشجر ربما لا ينام، لكي يحلمَ، لكن حامل القلم الخشبي يمضي حالما، مُنهَكا وطريدا، قد تخذله مقاهي مراكش، وحاناتُ باريس، لكن ياسين عدنان يبقى طامعا دوما في أن تسقيه القصيدة بمائها وماء وردها، فهو الذي يخطو واضحا بلا ظلال.
أنتج ياسين عدنان دواوين شعرية، منها: «مانيكان، رصيف القيامة، لا أكاد أرى، دفتر العابر» وأنجز في ميدان القصة القصيرة: «من يصدق الرسائل، تفاح الظل، فرح البنات بالمطر الخفيف» وله رواية بعنوان «هوت ماروك».
لياسين اهتمامات ونشاطات ثقافية متنوعة أيضًا، فهو يعمل في الصحافة الثقافية العربية، ويعد ويقدم برنامجا ثقافيا بعنوان «مشارف» على التلفزيون المغربي، وقد أطلق مجلة «أصوات معاصرة» في العام 1991، ومنشورات «الغارة الشعرية» التي انتظمت فيها كتابات مغايرة.
حصل عدنان على جوائز شعرية عدة، من بينها: جائزة مفدى زكريا المغاربية للشعر بالجزائر في العام 1991، جائزة اتحاد كتاب المغرب في 1999، جائزة بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب في 2004.
«الطريق إلى جنة النار» يمثل مختارات شعرية لياسين عدنان، من جملة دواوينه السابقة، وفيه تتجلى ملامح تجربته كعابر بسيط، يمتص ملح الأرض وسكر النبات، ليكتب بتلقائية وطفولية على جدار عالم خرب: «سنواتُ عمري لم تكن سوى خرْبشاتِ طفلٍ على بابِ مرحاض المدْرَسة، وسَمائِي مسْقوفةٌ بهشيمِ الخسارات».
في انشغاله الأول بالسرد، يبدو ياسين شاعرا، وفي اقتناصه الجوهر الشعري، لا يغفل الشاعر أنه سارد. عن ذلك، يشير إلى أن قصيدته تكاد تكون قصيدة سرد أكثر منها قصيدة نثر. يقول إنه يتصور أن الأصل فيه هو الشاعر، على أن هذا الشاعر يبقى شغوفا بالحكي والمحكيات: «لقد خَطرَتْ لي حروبٌ كثيرةٌ، جثثٌ، وسياراتُ إسعافٍ، رفوفٌ خالية من المِهَن، وكَمَنْجاتٌ خرساء، أطفالٌ يجْتثُّونَ جُذورَهُم بفُؤوسٍ صادقةٍ، يومُ السبتِ، والإثنين، والثلاثاء، كشكٌ يبيعُ التبغَ للموتى، يدانِ مصلوبتان على سحابةٍ غَجَريةٍ، وأسِرَّةُ مستشفى سوداء».
يستدعي ياسين عنوان قصيدته المطولة «دفتر العابر» التي شكلت ديوانا، وحاضرة في المختارات، فيصفها بأنها رحلة شعرية سردية، مفعمة بالأمكنة، حافلة باللقاءات. يقول: أشتغل على السرد لكي يصير مستساغا كشعر، قصيدتي دائما في المكان الملتبس بين الشعر والسرد، كما في دفتر العابر، وفي قصيدة أخرى طويلة هي رصيف القيامة.
ويثمن ياسين دور القاهرة في التعريف به قاصا وروائيا، حيث صدرت أعماله السردية السابقة في مصر، معربا عن سعادته بنشر عمل شعري له للمرة الأولى بمصر هو مختارات «الطريق إلى جنة النار» ويلفت إلى أن كثيرا من قصائده نُشرت في مجلات ودوريات مصرية، قبل صدورها في دواوين، ومنها «رصيف القيامة» التي نشرها الشاعر الراحل حلمي سالم في مجلة «أدب ونقد» التي كان يدير تحريرها.
يقول: حلمي سالم، قلبه كقلب القاهرة، احتضن قصيدتي بكثير من المحبة، وها هي القاهرة تحتضن تجربتي الشعرية من جديد. أنصفتني مصر ساردا، وأرجو أن يكون حضوري الشعري كما أطمح وأتمنى. أحب أن يقرأني الأصدقاء المصريون كشاعر، فانحيازي الأول للشعر: دربا واختيارا وتجربة: «آه يا سُكَّرَ الاسْتِعاراتِ المَغْشُوش، تَحلَّلْ بعيدا عن فِنْجاني، أريدُ القصيدةَ مُرَّةً، كقهْوَةِ السَّكْران، كي تُدَوِّنَ في سَوادِ عُيونِها، هذا الصُّداعَ العظيمَ الذي يُزلْزِلُ رغبتي في العَيْش، وأنتُمْ أيُّها الآخَرون، تأهَّبُوا للانْقِراض، فالسُّلالَةُ مُدَلاَّةٌ في الغَيابَات».

امّحاء اللغة
يأتي امّحاء اللغة عند ياسين عدنان مرادفا لتقلص الحياة وذوبان ملامح الإنسان وصفاته، في وقتٍ ليس فيه وقت للبهجة: «لم نعُدْ قادرينَ على الفَرَح، ولا على التَّعبِ مِنَ الوُقوف، لأنَّ أرْجُلنا تقَلَّصَت بالتدريج، ذابَتِ الأصابعُ أوَّلًا،ث م امَّحَتِ الأقدام، ولم تعُدْ هناكَ في العربيةِ كلمَةٌ اسمُها الخُطَى».
هذه اللغة، رغم ذلك، تبقى قادرة على صوغ قصيدة، وابتداع عالم موازٍ يصلح للإقامة فيه، وفق رؤية الشاعر، وهنا قد يكون النثر وحده غير كافٍ للبناء والتشييد، لما في النثرية من قصور قد يعتري النسق الشعري في بعض الأحيان.
ويرى ياسين أن الاتكاء على قصيدة النثر، كقالب ومحتوى، لا يعني الاستسلام لما اعترى قصيدة النثر من أعطاب، واستسهال، وتكرار، وتنميط. يقول: هناك إمكانات أخرى تتيحها قصيدة التفعيلة، وامتدادات القصيدة الموروثة، واللغة العربية غير المفقّرة، أحاول استثمارها أيضا في نصي الشعري «ها أنذا، بَعْدَ كلِّ هذي الرِّياح، أرَى الرِّمالَ تلعَقُ نارَها عندَ قَدَمِ الجبل، والعواصِفَ تُضمِّدُ أسْرارَها
خارجَ أسوارِ التاريخ. لم أجِئْ إلى هنا صُدْفةً، فقد قَطعْتُ بِحارا ومُحيطاتٍ،
جرّبْتُ المساءاتِ المَلُولَةَ، وصباحاتِ الرِّضَى، جرّبْتُ الحُبَّ العاري، والنزهاتِ المُرْتجَلة».
يؤمن ياسين بأن قصيدة النثر الثرية تتسع للكثير والكثير، بشرط انفتاحها على الرياح الآتية من كل الاتجاهات، فالقطيعة هي التي تمضي بها إلى العزلة والتقوقع، في حين أنها جزيرة الاخضرار إذا فتحت صدرها للسواقي: «هنا الجنَّاتُ، تجري من تحتها، سواقي الشَّجَى. هنا الرُّمان القديم، زيتونُ الأغنية، هنا الرُّبى، خضراءُ في القصيدة».
يبدو عدنان مستعيرا مقولة الإمام الشافعي:
إني رَأيتُ وُقوفَ الماءِ يُفْسِدُهُ
إنْ سَالَ طابَ وإنْ لم يجْرِ لم يَطِبِ
ولذلك تبدو الكتابة عنده حالة حركة دائمة، مثلما أنه دائم التنقل في حياته بين العواصم العربية والغربية.
عن ذلك، يوضح أنه زُيّن له حب السفر، فالسفر هو الشعر، والكتابة، وهنا يستدعي مقولتين، الأولى لروني شار: «الهدف الحقُّ هو الدَّربُ، لا ما يُفضي إليه»، والثانية للمتنبي:
ذَراني وَالفَلاةَ بلا دَليلٍ
ووجهي والهجيرَ بلا لِثامِ
فإنِّي أستريحُ بِذي وهذا
وَأتعَبُ بالإنَاخَةِ والمُقامِ
الشاعر، وفق ما يرى ياسين، هو رفيق العاديين، لأن الكتابة الطبيعية هي تلك التي تأتي بلون الحياة تماما، وليس ضروريا أن يجد النقاد المجتهدون فيها معنى عميقًا: «لو أنّي وُلِدْتُ فلسطينيًّا، كنتُ سأبدو صاحبَ قضيّةٍ، كانت سعادُ ستعني البلادَ، وعائشةُ الأرضَ، والعناقُ سيغدو التحامًا بعُشْب القضية».
يراهن عدنان على شعرية القصيدة، بحد ذاتها، في فضاء التفاصيل، والمواقف المجانية، والأحداث الصغيرة، العابرة، بعيدًا عما تحيل إليه الخطابيات الرنانة من شعارات، وما تتحدث عنه من قضايا كبرى، وبطولات، ومعارك، وثورات.
يقترن ذلك عادة بالخطأ كاحتمالية واردة، وكجمالية توازي أن يكون كتاب الكون نفسه صُرّة خطايا، ومحيطا من العجز: «خطأ أنا أيها العالم، وخطأ جئتُ إلى السابعةِ صباحًا، في ذلك الأحدِ النَّبيل من اغسطس 1970».
ياسين عدنان، شاعر يكتفي بالصُّراخ، وبتمارين النفخ في رحم السُّكون، يصيحُ في وجه وردة الغرانيت، ويقذف العمر الذي يقتاده إلى هاوية في السرّ، بمزيد من الدم والكبوات.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

عشرين − 17 =