ياوزير التربيـة…هذا هو الأسلوب الرائع في التعليم! مختصر مفيد

0 143

احمد الدواس

هذه قصة حقيقية من روائع ماحدث في حقل التعليم الأميركي، ففي الخمسينات كان أولي نيل تلميذاً فقيراً من أسرة كثيرة العدد مع الأب المزارع، يقطنون جميعهم منزلاً ليس فيه كهرباء، ونظراً لسلوكه المشاغب فقد أزعج معلمته في الصف الآنسة غرادي، إذ كلما تدخل الصف جرت العادة في المدارس ان يقول التلاميذ كلمة “يا آنسة” أو “يا سيدي” للمعلم إذا تطلب الأمر السؤال، اما بيل فيذكر اسم المعلمة مباشرة فيقول:” يا غرادي”، ما يجعلها تذرف الدمع من حين لآخر، وحدث ذات مرة أن ألقي القبض عليه وهو يسرق في المحل الذي يعمل فيه بعد انتهاء المدرسة، لكن صاحب المحل سامحه.
في أحد الأيام من سنة 1957 تسلل نيل من الصف وأخذ يتجول في مكتبة المدرسة، فرأى كتاب”كنوز الوادي السعيد” للمؤلف الأميركي فرانك يربي فسرقه، ولم يرد ان يخبر رفاقه في الصف حتى لا يقولوا عنه أنه يقرأ الروايات، فهذا امر مُعيب في نظره، وفي المنزل استمتع بقراءة الكتاب، ولما انتهى منه بعد أسبوع تسلل ثانية الى المكتبة أثناء الدوام المدرسي لإعادة الكتاب، وهناك وجد على الرف كتاباً ثانياً للمؤلف نفسه فسرقه أيضا، وكان هذا الكتاب رائعاً في نظره أيضاً، ولما أراد إعادته للمكتبة بعد قراءته اعترت الدهشة ملامح الصبي، فقد وجد كتاباً ثالثاً للمؤلف نفسه، وتكرر هذا الفعل أربع مرات، فقال في نفسه:” لابد ان القراءة هي الشيء الوحيد الذي أحبه”، ثم تغير طريق أو مسار هذا التلميذ فقد انتقل لقراءة الروايات الصعبة، والصحف والمجلات، والتحق بالثانوية ثم كلية الحقوق، وفي سنة 1991 تم تعيينه بوظيفة قانونية كأول مدع عام في ولاية أركنساس، وبعد سنوات قليلة تم تعيينه كقاضٍ، وأخيراً قاض لمحكمة الاستئناف.
ولكن القصة لم تكتمل بجميع جوانبها!
لقد رأت المعلمة غرادي التلميذ نيل يسرق الكتاب الأول، فتمالكت أعصابها من شدة الغضب وأرادت مواجهته، لكنها لم ترد إحراجه ففضلت الهدوء، وفي يوم السبت، وهو يوم اجازة قادت سيارتها مسافة 112 كيلومتراً الى مدينة ممفيس المجاورة تبحث في المكتبات عن رواية ثانية ليربي، وأخيراً وجدت كتاباً ثانياً فاشترته ووضعته في الرف نفسه بالمكتبة، ولمارأت نيل يسرق الكتاب الثاني عادت فقادت سيارتها يوم السبت التالي تقطع هذه المسافة أيضاً لشراء الكتاب الثالث، وكررت ذلك حتى الكتاب الرابع حيث اشترت هذه الكتب الأربع من جيبها الخاص، ولم تهنأ بعطلات السبت وقت راحتها، كل ذلك في سبيل تغيير سلوك هذا الطالب المشاغب الى الأفضل! والآن ماذا كان تأثير سلوك المعلمة على التلميذ؟
لقد أثر سلوك المعلمة على نيل، وعلى جميع الناس المُحيطين به، فابنتـه كارما نالت الدكتوراه في علم الوراثة، وهي أستاذة في جامعة “إموري”، كما تُدير حاليا برنامجاً لتنمية المجتمع في أركنساس، أما المعلمة غرادي ذات القلب الكبير فقد كان بإمكانها ان تقول إن هذا الولد فاسد الأخلاق ولاسبيل لتقويمه، لكنها لاشك حوّلت حياة الكثير من الأطفال الى الأفضل من خلال اتباع الأسلوب البسيط، بحيث أصبح هذا التلميذ قاضـياً ذا منصب رفيع في محكمة الاستئناف.
سنغافورة تطبق فكرة “مواد دراسية أقل لكن بفهم أكبر”، وتعليم الطلاب كيفية التفكير وحل المشكلات، مع تدريب المعلمين بشكل مُتواصل، فكل سنة يتلقى المدرسون مئة ساعة لتطوير مهاراتهم التعليمية، فالتنمية ليست بناء عمارات شاهقة وشوارع فسيحة وأرصفة أسمنت وجسور، إنما يجب على حكومتنا أن تبني أيضاً شخصية المواطن الصالح، وقد فشل نظامنا التعليمي في هذه الناحية، والدليل على ذلك مشاجرات الطلاب على أتفه الأسباب، عقوق الوالدين، احتقار الطلبة بعضهم بعضاً على أساس طائفي أو قبلي، التعدي المعنوي على رجل الشرطة، وتكالب ضعاف النفوس على شراء الشهادات المضروبة، واختفت قيم التسامح والإبداع والمعرفة، ولم نصنع رجالاً للبلد. فكيف تكون حال البلد إذا تولى هؤلاء الشباب إدارة الدولة؟
ان بناء المواطن من خلال التعليم الجيد لا يقل شأناً عن دور النفط، فإذا نضب النفط، عندئذٍ يفنى المال ولا تبقى إلا الأخلاق الفاضـلة، وهي التي تحفظ البلاد بفضل الله سبحـانه.

You might also like