يا حامي الدستور… تعبنا من عبث المغامرين فإلى متى؟

أحمد عبد العزيز الجارالله

صاحب السمو الامير قلتم في النطق السامي في افتتاح دور الانعقاد لمجلس الامة: «انني من يحمي الدستور، ولن أسمح بالمساس به فهو الضمان الأساسي بعد الله لأمن الوطن واستقراره فالتزامنا بالدستور ثابت وإيماننا بالنهج الديمقراطي راسخ».
ونقولها بصوت عال: نعم… نعم…نعم… وألف نعم أنتم من يحمي الدستور الذي هو نظام حكم، ومنهاج تسترشد به الامة في مسيرتها نحو الارتقاء الى الافضل، وهذا الدستور الذي علق عليه الكويتيون الامال من اجل الكويت التي يطمح اليها الجميع، ولإيماننا هذا فإننا نذكركم أن فينا من فهم الديمقراطية على عكس ما هو راسخ، واستغلها لتحقيق مآرب شخصية وحزبية مستخدما كل الوسائل الملتوية في ذلك.
لم يترك هؤلاء موبقة الا ارتكبوها، بدءا من السعي الى خرق الدستور عبر تفريغه من مضمونه، مرورا بالتعدي على مسند الامارة، وتقويض السلطة وصولا الى زعزعة الامن بمسيرات معروفة الاهداف، وكاد يضيع البلاد، لولا عناية الله ثم حكمة سموكم في حسم الامر لمصلحة الكويت، وحماية الدستور بتصويب التمثيل البرلماني في مرسوم الصوت الواحد، أنقذتنا يومذاك من المغامرات الطائشة الخادمة لمخططات تيارات سياسية لم تعد خافية على احد.
نصارحك القول، ان الفهم الخاطىء للديمقراطية أدى الى إعاقة الممارسة النيابية، واستيراد ثقافات ليست من نتاج مجتمعنا، بل ان ثقافتنا الكويتية الاصيلة تكاد تمحى تحت ركام ثقافات فرضتها تلك التيارات الساعية الى هدم الدولة كي تلحقها بركب الدول الفاشلة، ثقافات طائفية وقبلية و»اخوانية» وغيرها من القوى المذهبية التي استطاعت دفع دول عربية عدة الى أتون الصراعات الداخلية، وكل هؤلاء تمترسوا خلف متاريس العصبيات والعواطف حتى كادوا أن يجعلوا الكويت ساحة لتصفية حسابات إقليمية ليس لنا فيها ناقة او جمل.
طوال العقود الثلاثة الماضية كان الامل بخروجنا من الدوران في الحلقة المفرغة والسير بتنمية مستدامة تبقي الكويت المثال الاعلى للاقليم، لكن للاسف تسبب العبث المستتر بالديمقراطية الى وضع اقتصادنا في قمقم الخوف من الاتهامات الكاذبة، والتصويب على ذمم الناس بقصد الابتزاز، ففي الماضي كنا نصدر الامثلة النهضوية الى الخارج، اما اليوم فنجلس على رصيف الزمن نراقب الدول الاخرى تتسابق على النهوض فيما نحن مجرد مراقب يعيش على امجاد الماضي.
مشاريعنا الكبرى سقطت ضحية المساومات، فحقول الشمال دفنت في رمال الكيد ما افقد الخزينة نحو مئة مليار دولار في السنوات العشر الماضية، ومنع خلق نحو 20 الف فرصة عمل للكويتيين، اما في مشروع الـ «داو» فكانت الطامة اكبر حيث ادت الخزعبلات بذريعة حماية المال العام الى خسارة الدولة ملياري دولار غرامة، وكل من تسببوا في ذلك تملصوا من المسؤولية بحجة الحق النيابي في المحاسبة، تماما كما هي الحال في الاستثمارات الخارجية التي تحولت هيئتها ضحية التدخلات النيابية، أكان لفرض المحاسيب والأتباع، او من خلال مشاريع فاشلة يقدمها نواب لمزيد من الاستفادة.
لم تكن التأمينات الاجتماعية افضل حالا من الاستثمارات، هذه المؤسسة المفترض انها تحمي المتقاعدين من غدر الزمن، تحولت تحت وطأة الترهيب والتدخلات النيابية من الربح الى الخسارة والعجز، ما يهدد الالاف من الكويتيين في رزقهم.
في العقود الثلاثة الماضية، تحولت الكويت، اقتصاديا واجتماعيا، ضحية سكاكين جزاري المصالح الشخصانية ممن يتخذون النيابة مطية لاقتطاع حصة من لحمها الحي، وكل هذا بسبب جهلة او انصاف مثقفين تسيدوا المشهد النيابي، فتسبب جهلهم بالخراب الذي نشاهده اليوم على المستويات الانمائية والاقتصادية، لدرجة ان اي مشروع تنفذه الحكومة او اي هيئة يكون كالسير في حقل ألغام، فبات المنصب الوزاري وباء يخافه الجميع، ويتهربون منه.
هذا الواقع الأليم، يا أميرنا، ادى الى خسارتنا مسرحنا بعدما كان منارة في المنطقة، وثقافتنا وحركتنا الابداعية وضعت تحت مجهر التشكيك ومحاكم التفتيش الغريبة عنا، والطامة الكبرى حين فرضت المصالح الشخصية نفسها على من كانوا يتبجحون بالليبرالية وخضوعهم للمتأسلمين باتفاقهم على منع الاختلاط بالجامعات والمدارس.
هؤلاء فرضوا على الجميع الشك حتى في النوايا وتخوين الجميع، وكل هذا ادى الى قلق اجتماعي على المستقبل والمصير، وكان الهدف تقويض الدولة والهيمنة على سلطاتها كافة، وكلنا نذكر عندما كان لجماعة «الاخوان» اليد الطولى في مجلس الامة كيف حاول نوابها السطو على صلاحيات رئيس الدولة عبر مقترح تقييد التبرعات الحكومية للخارج، وهي سياسة تخدم الامن القومي الكويتي، لكن هؤلاء ونتيجة لارتباطهم بأجندة التنظيم الدولي للجماعة ارادوا ضرب العلاقة بيننا وبين مصر حين عاقب شعبها لصوص الحكم من خلال معارضة دعم اقتصادها بعد العبث الذي تسبب به حكم مكتب الاوغاد قبل ثورة 30 يونيو.
نعم، سمو الامير، إيماننا راسخ انكم لن تسمحوا بالمساس بالدستور، وان التزامكم به ثابت، وايمانكم بالنهج الديمقراطي راسخ، وحتى لا نخسر الكويت ومعها نخسر الدستور، اسمحوا لنا ان نذكر امام سموكم، ان تعليق العمل ببعض مواده بات امرا ضروريا من اجل الافساح في المجال لفترة تأمل، ولنا هنا خير مثال في العامين 1976 و1986 حين حل المجلس وعلق العمل ببعض مواد الدستور، وحينها شهدت الكويت نهضة تنموية هائلة، وطبق القانون على الجميع حتى المرور انتظم، لان يد التدخلات النيابية كفت عن المؤسسات كافة، فهؤلاء الذين يرفعون شعارات مكافحة الفساد وحماية المال العام هم الذين يفسدون المؤسسات بتدخلاتهم، يحمون الخارجين على القانون، ويمارسون ارهابا على الوزراء لدفعهم الى مخالفة القانون حتى اصبحت تكلفة فسادهم اكبر بكثير من الفساد.
نذكر جيدا كيف انبرى المتضررون من ذلك القرار الحازم، متهمين الحكومة بعدم القدرة على تسيير الامور، وانها تفتقد خطة العمل، وان الفساد استشرى في المؤسسات كافة، فيما الحقيقة انهم كانوا، مثل المتضررين اليوم، من التنمية والممارسة الصحيحة لادارة الدولة، طلاب مصالح، ولا يفوتنا هنا التذكير ان كل الثورات يكون شعارها مكافحة الفساد وحماية المال العام، وحين يستتب الامر لقادتها يعيثون بالارض فسادا، ويجعلون الدولة مزرعة لهم.
الدول التي تمارس الديمقراطية منذ خمسة او ستة قرون تعمل على تصحيح الخلل ومعالجة الفساد بالقانون، وليس بنسف الدولة والانقلاب على الحكم او تعطيل المشاريع، كما هي حال الانتهازيين لدينا.
عندما تقع الكارثة مستقبلا فان اول من سيتنصل من المسؤولية هم النواب، ويعلقون أخطاءهم على شماعة الحكومة، لذلك اعقلها يا صاحب السمو وأغلق الباب الذي تهب منه رياح السموم على الكويت، كي تستعيد البلاد حيويتها، فطالما لدينا قيادة حكيمة وحازمة فنحن لن نخاف على المستقبل الذي لا شك سيكون اكثر ازدهارا عندما تصفد شياطين الابتزاز السياسي.