يا حكام الخليج افتحوا الأبواب والنوافذ وتنفسوا هواء شعوبكم

0 229

أساليب التجاهل والمكابرة قصمت ظهر دول ولكم في الشعوب المنتفضة عبرة

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كانت سياسة الأبواب المفتوحة بين الحاكم والناس في الخليج تحل المشكلات كافة، ولم تكن هناك فرق من المستشارين وكتاب التقارير الذين ينقلون إلى ولي الأمر ما يناسبهم هم، ويزينون له أن كل شيء تمام، والحياة تسير في طريقها الطبيعي، وعلى هذا الأساس بنيت فكرتي انطلاقا من حوار أجريته مع شاه إيران في السبعينيات.
يومها تحدث الرجل عن خطة ثلاثينية، وقال ما معناه” إننا نعمل على خطة تبدأ من هذه السنة وتستمر إلى عام 2000، ستكون فيها إيران دولة صناعية متطورة، وقاعدة للاقليم تجارياً وصناعياً، ولقد بدأنا العمل على تنفيذ الخطة”.
سألته: ألا ترون أن 30 سنة مرحلة طويلة جدًا، وشعبكم لا يمكن أن ينتظر، أوليس اختلاطكم بالناس، وسماع رأيهم وتلمس وجعهم يساعدكم على تطوير بلدكم، ويمنع تململهم من طول الخطة، فلقد اعتادت الدول أن تكون خططها التنموية لخمس سنوات، خلالها يلمس المواطن الآثار سريعاً، فكيف سيتحمل الإيرانيون كل هذه السنين ودفع الضرائب والرسوم من دون أن يلمسوا أي تحسن؟
لم يجب الشاه محمد رضا بهلوي، وأعتقد انه لم يستسغ كلامي.
بعدها التقيت ملك الأردن الحسين بن طلال في العاصمة عمان، وأثناء الحديث معه، أخبرته عن ذاك الحوار، فقال:” أزمة الشاه الحقيقية أنه منفصل عن شعبه، ويكتفي بما يقدم إليه من تقارير، وهو بذلك يرتكب خطأ كبيرًا، ولقد نصحته أن يستمع إلى شعبه أفضل من التقارير”.
مرت السنوات إلى أن التقيت محمد رضا بهلوي في عام 1978، كان يومها مستنكراً كل ما يجري في بلاده من تظاهرات ويتساءل عن الأسباب، وأذكر أنه قال بتكبر:” ماذا يريد هؤلاء”، مبديًا تذمره من الوضع الداخلي، حينها ذكرته بما قلته له قبل ثماني سنوات، عن التواصل مع الشعب، وسياسة الأبواب المفتوحة التي جربناها في الخليج، وكيف أنها أبعدت عن شعوبه أزمات كثيرة، لكن جرت الرياح على عكس ما اشتهى الشاه، وثار الإيرانيون وخلعوه.
انفصال بهلوي عن الواقع يتكرر اليوم في طهران، وبدلا من شاه واحد هناك عشرات الشاهات المتوجين تحت عنوان الحكم الثوري، وما يجري في المدن الايرانية من احتجاجات يومية دليل على اقتراب ساعة الحقيقة بالنسبة لنظام الملالي، غير أنني هنا أحاول أن أذكر بما تنتهي إليه دائمًا سياسة الانفصال عن الواقع، ولأن في دروس التاريخ عبراً، فعلى هذا الأساس تستلهم الدول حلولاً لمشكلاتها من تجارب نظيراتها، كي لا تقع في الفخ الذي تكابر في عدم الاعتراف به أحيانا.
اليوم في العالم العربي أربع ثورات شعبية، لكل منها مآلاتها التي دفعت الناس إلى الخروج للساحات والميادين، ففي الجزائر تحول الحكام أنصاف آلهة، ولم يستمعوا إلى صوت الشعب فكانت النقمة كبيرة إلى حد أن المحتجين لم تعد ترضيهم عمليات التجميل التي تحاول السلطة الانتقالية إجراءها على النظام، ولهذا منذ فبراير الماضي لم تهدأ التظاهرات والاعتصامات.
فيما في السودان لم يكتف المحتجون بإسقاط نظام البشير والزج به في السجن، فهم ما برحوا يفرضون شروطهم على السلطة الانتقالية، ويزداد الوضع الاقتصادي سوءًا.
بينما في العراق ثورة عارمة دخلت شهرها الثالث، رغم أن السلطة المعزولة خلف أسوار المنطقة الخضراء مستمرة بمواجهتها بالرصاص، وبارتكاب مجازر بحق المواطنين الأبرياء، معيدة ترديد الخطاب الممجوج نفسه.
أما في لبنان فلا يختلف الوضع كثيراً عن الدول الثلاث، مع فارق هو عدم انصياع القوى الأمنية، لا سيما الجيش، إلى إرادة سلطة الوصاية التي يمارسها”حزب الله” على بقية المنظومة السياسية، لذلك لم تتحول الثورة دموية، غير أنها دفعت بالوضع الاقتصادي إلى حافة الانهيار، ولأن الانفصال عن الواقع عزل الطبقة السياسية كافة عن سماع أصوات الناس، فها هي القوى الممثلة في البرلمان لا تزال تمارس ترف الانتقائية وفرض الشروط من أجل تشكيل حكومة إنقاذ وطني، تضع حداً للوضع المعيشي المتفجر.

كل ما حدث في تلك الدول هو نتيجة طبيعية لسلطة الغطرسة وسياسة الأبواب المقفلة التي مارسها حكام تلك الدول وازدواجية المعايير وتعدد الرؤوس في إدارة السلطة، إضافة إلى أن الأوصياء على النظام الذين يعملون على تحديد أسس سياسة الدولة، كما هي الحال في لبنان كأن يخرج حسن نصرالله من جحره إلى الساحات عبر شاشة التلفزيون متحدثًا إلى الناس باستعلاء، كأنهم غنم، يملي ما يريد على المسؤولين، فيما لاصفة له في الحكم، غير اعتبار نفسه المرشد الروحي للنظام.
هذه الدول ما كانت لتقع في الكوارث التي تعانيها لو أن مسؤوليها استمعوا إلى شعوبهم، ولم يتفرغوا لنهب المليارات وتهريبها إلى الخارج كأن أوطانهم مجرد فرصة للإثراء غير المشروع، وهم قطاع طرق، ولهذا خرج الناس إلى الشوارع تدفعهم النقمة الكبيرة مما وصلوا إليه، فالجوع لا يعرف هوية سياسية، والجائع لا يصبر.
الحقائق التي أوردناها شواهد ماثلة أمام حكام الدول كافة، لا سيما في دول”مجلس التعاون” الخليجي، حيث كانت هناك سُنّة حميدة ساهمت بإنقاذ البلاد من أزمات كبيرة، حذار التخلي عنها، ولا تجعلوا بينكم وبين شعوبكم حواجز زجاجية ولا تسكنوا أبراجًا لا ترون منها إلا ما يريدكم المستشارون أن تروه؟
وإذا كان الكاسيت في السبعينيات من القرن الماضي فعل فعله مع الشاه، فإن مواقع التواصل الاجتماعي اليوم تؤدي مهمة أكبر بكثير، لذلك لا بد من سماع أصوات الناس، والخروج إليهم، فهؤلاء ارتضوا طوال مئات السنين أن تكونوا أولياء أمرهم، ويبادلونكم الوفاء والمحبة.
إننا نتطلع إلى حكامنا أن يدرسوا جيداً أسباب ثورات الجزائر والسودان والعراق ولبنان، فهذه كلها دروس يستفاد منها، ولا يمكن إشاحة النظر عنها، لذلك نتمنى أن تنتهي سياسة الاستماع إلى المستشارين، وأن تكثروا من الدواوين المفتوحة أمام جميع المواطنين حيث لا حواجز بين الشعب والحاكم عندها تقطعون دابر أي متربص بهذه الدول المباركة، وتضمنون نجاح خططكم التنموية، وتحفظون أوطانكم.
يا حكام الخليج القشة تقصم أحيانا ظهر البعير، وكم من قشة قصمت ظهر دول.

أحمد الجارالله

You might also like