يا خادم الحرمين اقطع دابر المتاجرين بالدم

حين نتحدث عن المملكة العربية السعودية فإننا ننطلق في ذلك من قناعة أن هذه الشقيقة الكبرى عزنا من عزها، وما يضيرها يضيرنا، وأيضا ما ينفعها ينفعنا، ولهذا نستذكر معكم قولكم: «رحم الله من أهدى إليَّ عيوبي»، لكن هنا لا نتحدث عن عيوب لديكم، لا سمح الله، إنما عن عيوب في الانظمة والقوانين التي يجب ان تواكب حركة تطور تشهدها المملكة في عهدكم، وتخلصها من عادات وتقاليد شكلت لعقود عبئا على المجتمع.
جميعنا في الخليج تابعنا ونتابع جولات ولي العهد الامير محمد بن سلمان في دول العالم، وذلك التقديم الحصيف للصورة المستقبلية للبلاد السعودية، عبر وسائل الاعلام واللقاءت مع المؤسسات الكبرى، خصوصا في الولايات المتحدة الاميركية التي هي صانعة القرار الاميركي على المستويات كافة، وكان ذلك احد الانجازات التي غيرت النظرة الغربية الى المملكة والشعب السعودي، لانه بدد غشاوة صنعها المستفيدون من الاساءة للمملكة.
ان هذه الخطوة الكبيرة لم تغير النظرة الغربية فقط، بل اعادت تشكيل العلاقة بين السعودية ودول العالم، وفي الوقت نفسه قدمت ابناء هذه المنطقة على حقيقتهم من دون اي مزاعم عن تخلف وارهاب استفاد منها لسنوات من لهم مصالح في تصويرنا كشعوب تعيش خارج التاريخ ونقبع في كهوف الجهل والظلام.
ايضا لا احد في الاقليم ينكر ان ما تحقق في السنوات القليلة الماضية، و لا سيما على المستوى الاجتماعي يعتبر خطوة نهضوية كبيرة، ولذلك حين يقابل المرء اي سعودي يشعر انه قد تنفس الصعداء بعد منع الجواسيس والمترصدين من مطاردة أي اشارة فرح للتدخل في حياة الناس، وممارسة وصاية أخلاقية عليهم.
الملك سلمان بن عبدالعزيز
ما نشاهده اليوم هو صورة المملكة الحقيقية، لكن ثمة نواقض ومنغصات لا تزال سائدة، أهمها تجارة الدم التي بات لها سوقها للاسف، وسماسرتها، وأصبحت مصدرا للبغضاء واثارة العداوات بين ابناء المجتمع الواحد، ومصدرا للخلاف بين القبائل، وهو امر يخالف الاعراف والشرع الاسلامي، والقانون.
في كل دول العالم هناك قوانين لا يمكن الخروج عليها في القصاص من القاتل. حتى الدية لها أسسها وحدودها، غير ان ما تركته الممارسات والمغالاة بدأ يتحول عبئا حقيقيا على أسر كثيرة ليس لديها الثروات والاموال كي تدفع عشرين او ثلاثين او اربعين مليون ريال لعتق رقبة قاتل، ربما يكون قد أقدم على فعتله بالخطأ، وهذه الجريمة في القوانين والاعراف لها عقابها، ولها ايضا ديتها.
لقد لفتني ان تتحول هذه المسألة الحساسة تجارة، ولا يمكن لاي كان التصدي لها الا ولي الامر الذي له وحده الحق في التشريع وتعديله، بأن يضع حدا لمثل هذه الافعال التي تسيء للمملكة امام الدول الاخرى، وكأنها حض على القتل بطريقة غير مباشرة، لان من ارتكب جريمة هناك قانون يحاسبه وقضاء يقتص منه، وبعدها إما أن يعفو عنه ولي الدم اسوة بما كان يحض عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، من دون اي ثمن، او يدفع الدية المعقولة وينال العفو، او ينفذ فيه القصاص، لكن ان تصبح المسألة مزايدة، فانها في ذلك تسيء الى المملكة.
تنوعت في جرائم القتل الاحكام وفقا لظروف الجريمة، إذ لا يكمن ان يكون عقاب القتل الخطأ او الميت في حادث سير مثل الصائل المعتدي على النفس والعرض والاملاك، الذي وجب ان ينال قصاصه كي لا يصبح ذلك تحفيزا للاخرين على ارتكاب الجرائم طالما انهم ضمنوا من يتداعى لجمع الدية، مهما كانت مرتفعة، وهو ما حصل في السنوات الاخيرة بعدما اصبحت مدعاة للتفاخر بين القبائل، وان تصل المطالبة بالدية إلى مئة اومئتي مليون ريال فهذه والله تجارة دم لا تقبلها الاعراف العربية الاصيلة ولا الدين الحنيف.
هناك مسألة أخرى لا تزال تشكل عائقا حقيقيا امام المستثمرين ورجال الاعمال، وهي سجن المعسر الذي تجاوز الستين من العمر، فهناك إجراءات متبعة في كل دول العالم لهذا الامر، لا تصل الى حد سجن من تعدى هذا العمر، فماذا سيقدم من تجاوز الستين او السبعين وحتى الثمانين بعد، بل هناك دول تمنع سجن هذه الفئة العمرية، الا في حدود ضيقة جدا، ولهذا فان تعديل النظام في هذا الشأن، واعادة النظر بالعقوبات لتصبح متماشية مع الواقع، كما هي الدول المتقدمة يزيل عقبة كبرى في تداول النقد ويزيل الاحراج عن المملكة التي هي اليوم محط انظار العالم اجمع.
لا شك ان اكتمال خطوات النهوض وتخليص المملكة مما ساد فيها في العقود الماضية، هو مصدر فخر لكل خليجي، وليس سعوديا فقط، ولذلك فاننا نرغب لها كل خير، لكي تكون فعلا كما يحلم كل خليجي، وكما انتم تودون رؤيتها، واخيرا فان سياسة التشريع حق لولي الامر، وجاء في الاثر «إن الله يزع في السلطان مالا يزع في القرآن».

أحمد الجارالله