يا قادة السعودية … احذروا ممن “يبغونها عِوَجاً”

في 22 اغسطس العام 1962، وبينما كان الأب الروحي للجمهورية الفرنسية الخامسة شارل ديغول في طريقه إلى منزله الريفي أطلقت عناصر من منظمة سرية الرصاص على سيارته في محاولة لاغتياله، لكن أصيب الزجاج الخلفي وتناثر على الرجل الذي سرعان ما طلب من سائقه التوقف، وحين ترجل قال عبارته الشهيرة: “إنهم هواة لا يعرفون إصابة الهدف”، وأكمل طريقه.
يومذاك، كانت هذه الحادثة تتويجا لمعارضة توجهات ديغول الواقعية في إخراج فرنسا من مستنقع الجزائر، ودخولها عهد التحرر من أثقال الحرب العالمية الثانية، لذلك بعد تلك الحادثة بست سنوات أعلن الاستفتاء على اللامركزية الإدارية لتحديث الدولة، وقال إذا لم يحصل على نسبة 75 في المئة من المؤيدين فسيتنحى عن الحكم، وهو ما فعله عندما أعلنت النتائج في مطلع العام 1969.
في تلك الأثناء، كان ديغول يواجه المتمصلحين من الاستعمار الفرنسي للجزائر وأفريقيا والفاسدين الذين يمنعون تطور بلادهم، أي كما قال الله في محكم التنزيل الذين: “ويَبْغُونَهَا عِوَجًا”، وهؤلاء يوجد مثلهم في كل دول العالم يقاومون الخطوات الإصلاحية للقادة الرواد الذين يجود بهم التاريخ على بلادهم.
في العالم العربي هناك الذين “ويَبْغُونَهَا عِوَجًا” خصوصا في مواجهة المملكة العربية السعودية التي تشهد حاليا عملية إصلاح كبيرة يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بتوجيه ومباركة قائد الدولة وكبيرها الملك سلمان بن عبدالعزيز.
أولئك النفر الذين يرون القذى في عين الآخر ولا يرون العود في عيونهم، هم من كانوا يتهمون المملكة بالرجعية والتخلف الاجتماعي والاقتصادي، وحين بدأت حملتها لتحديث أساليب العمل والحياة، وأن تكون وفقا لما يرجوه الملك سلمان ابنة القرن الحادي والعشرين القادرة على تأكيد دورها المتقدم في المجالات كافة والمعتمدة على نخبة من أبنائها، انقلبوا على أعقابهم، مشهرين سيوف الهجوم ورماح تثبيط العزيمة من خلال قنواتهم ووسائل إعلامهم ونعت التغييرات بأنها خروج على ثوابت الدين والتقاليد والأعراف.
هذه الحملة الشعواء على المملكة لم تمنعها في المقابل من السير قدما في ترسيخ رؤية القادة الرواد بدخولها الدولة السعودية الرابعة، رغم أنها تخوض حربا مفتوحة في اليمن لمواجهة مخطط توسعي فارسي منذ ثلاث سنوات، ولو ضعفت في ذلك لأصبحت كلفة تهاونها أكبر بكثير من كلفة “عاصفة الحزم” لأنه إذا كانت اليوم التكلفة مالية فإن ما سيترتب على الاستسلام لمخطط نظام الملالي من تكلفة تطال الاقتصاد والثقافة والمجتمع والمصير، ليس للممكلة وحدها، إنما لكل “مجلس التعاون” الخليجي.
نعم، هذا هو ديدن الرواد صناع التغيير في بلدانهم، يخوضون المواجهات على جبهات عدة وينتصرون فيها، أكان في الخارج وعلى الحدود، أو في الداخل بحفظ الجبهة الداخلية وتطور الاقتصاد والمجتمع.
لخمسين عاما كانت المملكة تعيش اقتصادا ريعيا كاملا، كبقية دول “مجلس التعاون” التي تكفل المواطن من المهد إلى اللحد، مؤمنة له كل ما يحتاجه، لكن هذا الاقتصاد الريعي لا بد أن ينتهي إلى جعل المجتمع عالة على الدولة، فتزداد الأكلاف، لذلك بدأت القيادة السعودية الحالية سلسلة خطوات، أكان في خفض معدلات البطالة عبر إحلال السعوديين في العديد من الوظائف التي كان يشغلها وافدون، أو ببناء شراكات صناعية كبرى مع الدول العظمى، أولاها الشراكة السعودية- الأميركية والتي بدأت مع زيارة الرئيس دونالد ترامب للمملكة في مايو الماضي.
أشيع منذ ذلك الوقت أن الاتفاقات التي وقعت بين المملكة والولايات المتحدة، والبالغة قيمتها 460 مليار دولار، هي هبة سعودية لأميركا، وهذا طبعا روَّج له من “ويَبْغُونَهَا عِوَجًا” ومازالوا، ولم ينظروا إلى أن هذه المبالغ هي لمشاريع ركيزتها الأولى نقل الصناعات الأميركية الكبرى للمملكة، وكم فرصة عمل تؤمن، ليس للسعوديين فقط، إنما للعرب كافة.
يترافق ذلك مع إجراءات جديدة في ما يتعلق بالقطاع الخاص الشريك الأساسي للدولة في التنمية، لكن في هذا المجال لنا كلمة نقولها لولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مهندس الاقتصاد السعودي، وهي: إن بعض الإجراءات المتخذة حالياً تؤثر سلبا على الأعمال، خصوصا ما يتعلق منها بالرسوم الباهظة، وهي في بعض الأحيان تفوق قدرة الشركات والمؤسسات، ما يعني عدم القدرة على إيفاء متطلبات السوق، وانخفاض نسبة توظيف العمالة الوطنية التي ستضطر الحكومة لتوظيفها في مؤسساتها.
علينا الاعتراف أننا في دول”مجلس التعاون” بحاجة ماسة لتبادل المصالح، خصوصا في مجال العمالة، ولذلك فإن دعم وتسهيل الأعمال في القطاع الخاص، يخفف كثيرا عن كاهل الدولة، ولذا فإن التدرج بهذه الرسوم في مرحلة انتقالية أكثر فائدة للدولة والقطاع الخاص، لأنه سيؤدي إلى المحافظة على العمالة الوطنية من جهة والتأقلم مع الإجراءات وعدم إحداث صدمة تؤدي إلى انكماش اقتصادي.
لا شك أن التواصل الدائم بين صناع القرار ورجال الأعمال، وعرض المشكلات والمصاعب بشفافية يخدم الهدف الأسمى وهو تطوير الدولة والمجتمع ليتماشى مع العصر ومتطلبات الدول الحديثة، وحتى يتحقق ذلك ولا يترك أي مجال لمن “ويَبْغُونَهَا عِوَجًا” وجعل الدولة بقرة حلوباً ومرتعا للفساد لا بد من وجود قنوات اتصال دائمة.
إن الدولة بإجراءاتها ونظمها الجديدة تحتاج بين فترة وأخرى لمراجعة ذلك كي تتفادى المصاعب، ومن الحكمة أن تسمع ممن تطبق عليهم الإجراءات بشفافية كي لا يتحول الإصلاح الاقتصادي صراعا بين القطاع الخاص والدولة، فيخسر الطرفان في نهاية الأمر، ويحقق الذين قال عنهم العزيز الحكيم: “الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا…”، مبتغاهم.

أحمد الجارالله