محبرة وقلم

“يا من فتنت به يا أجمل الناس”! محبرة وقلم

مشعل عثمان السعيد

الفتنة كفانا الله شرها, مصيبة المصائب لانها ابتلاء بحب الشيء, والتعلق الشديد به, واذا فتن الرجل بامرأة هواها وهام عشقا بها وأحبها حبا شديدا واعجب بها ايما اعجاب, وكذلك الحال بالنسبة للمرأة وفي الفتنة يقول موسى بن يسار(موسى شهوات ت 110هـ):
“ان هندا تيمتني حقبة
ثم بانت وهي للقلب شجن
فتنة الحقها الله بنا
عائذا بالله من شر الفتن”.
ويقول ثعالة الاشجعي متهكما على القاضي الجليل ابراهيم الشعبي (ت110هـ) على اختلاف الروايات:
“فتن الشعبي لما
رفع الطرف اليها
فتنته بدلال
وبخطى حاجبيها”.
والفتنة قد تؤدي الى ذهاب عقل الانسان, الا ترون ما حصل لمجنون ليلى وغيره؟ يقول المولى عز وجل: “ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب” (34 -ص) ويقول سبحانه وتعالى في مكان آخر:”ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني الا في الفتنة سقطوا, وإن جهنم لمحيطة بالكافرين” (49 ـ التوبة) وآيات قرآنية كثيرة, وفي الفتنة يقول ابومنصور الحلاج:
” يا من فتنت به يا اجمل الناس
يا من محبتكم تاجا على راسي”.
ربما وجدنا لهذا الشاعر عذرا, فوقوعه في الفتنة سببه رؤيته لاجمل الناس, ولانها شديدة الجمال فقد وصف حبه لها بالتاج الذي يضعه على رأسه, هو يفتخر ويزهو بحبه لها, لذلك قال بعد هذا البيت واصفا من احبها:
“ويا هلالي ويا شمسي ويا قمري
ويا قضيبا من الياقوت والماس”.
اربعة اوصاف لهذه الفتاة التي احبها الحلاج تجاوز بها المعقول الى اللا معقول, وكأنه يصف حورية من حور الجنة, هي هلال وشمس وقمر وقضيبا من الياقوت والماس, اما الياقوت فهو اكثر الاحجار الكريمة جاذبية وقوة, واذا مزج بالالمالس اصبح صافيا نقيا يبهر الناظر اليه, مع بهاء الطلعة وحسنها وضيائها ونضارتها, افتكون فتاة بهذه الدرجة من الجمال؟ ربما يكون ذلك فالله جلت قدرته بديع بخلق البديع, دعونا نتأمل بقية الابيات:
“لولا النسيم لذكراكم يؤنسني
لكنت محترقا من حر انفاسي
انا الذي في هواكم مهجتي تلفت
شوقا واهلكها همي ووسواسي
والله ما اشرقت شمس ولا غربت
الا وذكرك مقرونا بانفاسي
لولا محبتكم ما جئت من وطني
ولا تغربت من ناس الى ناس
ولا جلست الى قوم احدثهم
الا وانت حديثي بين جلاسي
ولا شربت زلال الماء من عطش
الا وجدت خيالا منك في الكاس
ان امكن الدهر لم اقطع زيارتكم
يوما ولو انني اسعى على راسي”.
ولا شك ان هذه الابيات كالبنيان المرصوص, الا انها لم تسلم من الاضافة والحذف وربما تكون اكثر مما ذكرت, اما قائلها فهو الحسين بن منصور بن محمي (الحلاج) المولود سنة 244 هـ وهو من اعلام التصوف, من اهل “بيضاء فارس” ثم نشأ في مدينة الحجاج بن يوسف “واسط” ويعد هذا الرجل من اكثر الناس الذين اختلف في امرهم, دخل بغداد وتردد الى مكة المكرمة واعتكف بالحرم مدة طويلة, ومن شعره الفائق:
“الى حتفي سعى قدمي
ارى قدمي اراق دمي
فما انفك من ندم
وهان دمي, فها ندمي.
كما انه قائل الابيات المغناة:
“الهي ليس للعشاق ذنب
ولكن انت تبلوا العاشقينا
وتخلق كل ذو وجه جميل
به تسبي قلوب الناظرينا
وتأمرنا بغض الطرف عنهم
كأنك ما خلقت لنا عيونا”.
ومن عجائب شعره:
“انا من هوى ومن اهوى انا
نحن روحان حللنا بدنا
فاذا ابصرتني ابصرته
واذا ابصرته ابصرتنا”.
اتهم الحلاج بعد ذلك بانحلال العقيدة والزندقة وتمادى في غيه حسب ما وصفه ابن الجوزي والخطيب البغدادي, وكان له اتباع كثر, فأفتى العلماء بوجوب قتله لضرره البالغ على الاسلام والمسلمين, حتى ذكر العلماء انه مخدوم من الجن والشياطين, وان له حيلا كثيرة يخدع بها الناس, فأمر خليفة ذاك الوقت جعفر المقتدر بالله العباسي (295 ـ 332هـ) بالقبض عليه, ثم الح العلماء بسرعة قتله حتى لا يفتتن الناس به, فصدر الامر باعدامه في الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة 304 هـ, وعمره اربع وستين عاما فكان كما قال, والبلاء موكل بالمنطق:
“الى حتفي سعى قدمي
ارى قدمي اراق دمي
فما انفك من ندم
وهان دمي, فها ندمي”.
جف القلم ونشفت المحبرة, في آمان الله.

كاتب كويتي
Meshalasaeed112@gmail.com