يا هند لسنا مثاليين

حسن علي كرم

تنص المادة (34 ) من الدستور على ان «المتهم بريء حتى تثبت ادانته في محاكمة عادلة « الى آخر المادة، لكن هذا لا يعني قطعاً ان المتهم بريء، بل ربما دلت التهمة بالدليل المادي على انه مذنب.
لعل تفشي حالات التزوير والاختلاسات والاعتداءات على المال العام في الدوائر الحكومية يعود إلى كون المتهم المختلس أو المزور لا تكشف السلطات عن اسمه، الا بعد الفصل الاخير من درجات المحاكمة وصدور الحكم النهائي عليه. وفي احيان كثيرة حتى بعد صدور الحكم يبقى اسمه طَي الكتمان, وكأنه سر من اسرار الدولة العليا، وليس مجرد حرامي. وليس بخاف ان المحاكم عندنا حبالها طويلة، كما نقول في العامي، فالقضايا تأخذ مدداً طويلةً اقصرها سنتان، واطولها بعد عمر طويل، واي جريمة أو تهمة مهما كان حجمها إذا لم يبت بها في حينها فسوف ينساها أو يتناساها المجتمع، الامر الذي قد يشجع آخرين لارتكاب جرائم مشابهة ما دام القانون حباله طويلة وقد يفلت منه.
السيدة الفاضلة وزيرة الشؤون وزيرة التخطيط دأبت على كشف مزورين ومختلسين ومرتشين في الادارات التي تقع في ضمن مسؤولياتها، وآخر اكتشافاتها المباركة اعلانها عن اكثر من خمسة آلاف ملف مساعدات مزورة في وزارة الشؤون، هذا بخلاف الرشي والتزوير التي كشفتها قبلاً في هيئة العمالة، وهي ادارة فتية حديثة التأسيس بعد فصل ادارة العمل عن وزارة الشؤون الاجتماعية لكن فسادها ما تشيله بعارين هذا بخلاف عمليات التلاعب والاختلاسات التي كُشفَت في الجمعيات التعاونية التي يفترض ان تكون بعيدة عن الشبهات، باعتبار مجالس اداراتها منتخبة من المساهمين، لكن« من امرك قال من نهاني « هو القانون الساري، فالمال السائب والتراخي في التطبيق الفوري للقوانين وغياب الحزم والمداراة والطمطمة قد شجعت على أن يستمر العبث والتطاول على المال العام دون وازع من ضمير أو رادعٍ من قوانين.
مجتمعنا ليس فاضلاً لكي ننظر له بهالة من القدسية ( راحوا الطيبين ) ومجتمعنا ليس طينة اجتماعية واحدة أو ثقافة واحدة، وانما ثقافات متنوعة وشرائح متعددة، وتالياً هو كأي مجتمع حديث فيه الطيبون الطيبون والشريرون الشريرون، وفيه بين بين، هناك من يخاف الله فيأخذ طريق الاستقامة وهناك من يصادق الشيطان فيأخذ طريق الخباثة، في الدولة اكثر من جهاز رقابي مهمته مكافحة الفساد، لكن لا يبدوانها قادرة على كبح شهية الفاسدين. ان المهمة صعبة لا شك أو متعثرة لكن يظل السؤال: ما الحل هل نستمر في التحلطم؟ هناك فساد وفاسدون، وكل يوم نقرأ عبر صحافتنا حوادث تزوير واختلاسات ورشاوى، هل مطلوب ايجاد بدائل ناجعة؟ الامر المؤكد ليس مستحيلاً اذا طلبنا حلولاً، لا ان تقطع دابر الفساد نهائيا فهذا يستحيل لكن اقلها ايجاد وسائل فورية رادعة، فعندما تكشف الوزيرة عن هذا الرقم المخيف من المزورين والمزورات والمختلسين والمختلسات، وعندما يتحدث المدير المسؤول عن دعم العمالة باكتشاف آلاف المزورين والمختلسين الذين حصلوا على مكافآت غير مستحقة، وعندما يمرر مهندس مصري بواسطة رشي بآلاف الدنانير معاملات مخالفة، وعندما يهرب موظفون في المطار أو في المراكز الحدودية البرية أو البحرية ممنوعون من السفر، وعندما يُكتشف تزوير في الجناسي وتزوير في الحيازات الزراعية والجواخير، واملاك الدولة ووو فهذا يعني، وعلى المكشوف، أن هذا بلدٌ فاسد واهله عابثون وفاسدون، وان الصلحاء والطيبين قد ماتوا، العبرة ليس في اكتشاف تزوير أو اكتشاف رشي، فلماذا لا تنشر اسماؤهم عبر وسائل الاعلام المختلفة وانزال العقوبة الفورية عليهم؟ ولو كان هناك ردع وحزم واحكام فورية لما تجرأ الفاسدون على التمادي، لكن للاسف، لا حزم ولا أحكام رادعة، هناك دول يُعدم فيها المختلس أو المزور أو المرتشي أو المتلاعب بالاسعار، ويعلق جثمانه في الساحات وعلى مرأى من الناس ليكون رادعاً لغيره، فهل اعدم عندنا مزور أو غشاش أو مختلس، وهل أظهروا مختلساً أو مزوراً أو مرتشي على شاشات التلفزيون لكي يعترف بجريمته للمشاهدين؟
عزيزتي معالي الوزيرة، لا احد يؤاخذ عليك دأبكِ على الاصلاح ومكافحة الفساد، الا ان هذا وحده لا يكفي في غياب العقاب الفوري، اكشفوا الاسماء واظهروا التهم وليتحمل كلٌ وزر جريمته.
نحن لسنا مجتمعاً فاضلاً، ولا ندعو للفضيلة الكاملة، فلا فضيلة كاملة على الارض، ولكن ندعو لمجتمعٍ يقل فيه الفساد حبتين فهل هذا كثير؟
المهندس المصري المرتشي افرج عنه بضمانة ثلاثة آلاف دينار مع منعه، من السفر، من يَضمن الا يتم تهريبه من المطار كما هُرِب عيني عينك غيره؟

صحافي كويتي