يحبُّ الله التضرع إليه بالدعاء الحب في القرآن (13)

0 4

أفصحت آيات القرآن الكريم بقوة عن رابطه خاصة متميزة تجمع العبد بربه هى الحب والمحبة، فالحب من المعاني العظيمة التي يسعد الإنسان بها، فقد أثبت القرآن الكريم صفة الحب لله جل جلاله، وأثبت أن الله سبحانه تعالى يحب عباده، وهذا الحب هو حب القادر المقتدر المعطي اللطيف بعباده المؤمنين، وهو حب يليق به سبحانه، فمن يختاره الله جل جلاله من عباده ليحبه، فإنه سيتمتع بامتيازات لا حصر لها في الدنيا والآخرة، ومن مكاسب حب الله للعبد في الدنيا أن تحبه الملائكة، ثم الناس، ويكتب له الله القبول في الأرض، كما أن له في الآخرة جزاء عظيم. وآيات الحب والود بلغت نحو 76 آية في القرآن الكريم، والأجمل أن الله سبحانه تعالى هو الذي يبدأ بالحب وليس العبد كما في قوله تعالى « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه».

الدعاء عبادة تقوم على سؤال العبد ربه والطلب منه وهي من أفضل العبادات التي يحبها الله خالصة له، ولا يجوز أن يصرفها العبد إلى غيره، فهو حبل الوصل الدائم بين الله وعباده، والله أمر عبادة بذلك ووعدهم بالإجابة في قوله تعالى ” وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ” ثم توعد الله في نفس الآية أن يستكبر عن دعائه فسوف يدخله النار في قوله تعالى ” إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ” (سورة غافر: الآية 60).
ولعظمة الدعاء روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال” إن الدعاء هو العبادة ثم قرأ: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي.
قال يعني عن دعائي ـ سيدخلون جهنم داخرين” رواه أحمد .
وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ مرفوعا: ليس شيء أكرم على الله من الدعاء. أخرجه الترمذي .
والله سبحانه تعالى يحب الملحين في الدعاء فقد جاء في شعب الإيمان عن الأوزاعي قال: أفضل الدعاء: الإلحاح على الله عز وجل والتضرع إليه. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لم يسأل الله يغضب عليه. رواه الترمذي.
الإلحاح يعني التذلل أمام الله وهذا هي معنى العبودية لله سبحانه وتعالى فهو يحب عباده وقريب منهم، فقد ذكر في تفسير الوسيط لطنطاوي ما رواه ابن مردويه – بسنده – عن الحسن قال : سأل بعض الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أين ربنا؟ وفي روايه أخرى سئل النبي صلى الله عليه وسلم: “أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟” فأنزل الله قوله تعالى “وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ” (سورة البقرة: الآية 186).
ويقول الدكتور عمر عبد الله المقبل في كتابه “قواعد قرانية”، أن القرآن اشتمل على أربعة عشر سؤالاً، وكلها تبدأ بـ”يسألونك” ثم يأتي الجواب بـ “قل” أو “فقل “إلا هذا الموضع الوحيد، فإنه بدأ بهذه الجملة الشرطية “وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي” وجاء جواب الشرط من دون الفعل: قل، بل قال “فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ”، فكأن هذا الفاصل مع قصره (قل) كأنه يطيل القرب بين الداعي وربه، فجاء الجواب بدون واسطة: “فَإِنِّي قَرِيبٌ” لتدل على شدة قرب العبد من ربه في مقام الدعاء.
وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أيها الناس اربعوا على أنفسكم – أي أرفقوا بها – فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً بصيراً وهو معكم، والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته” .
ولم يفعل الله ذلك إلا في مقام الدعاء الأمر الذي يدل على حب الله لهذه العبادة الجليلة من عباده .
وقال الله تعالى عن نبيه زكريا عليه السلام “قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً” (سورة مريم: الآية 4).
وفي قوله ” وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا” يقول الشيخ طنطاوي في تفسيره الوسيط : أي ولم أكن فيما مضى من عمري مخيب الدعاء وإنما تعودت منك يا إلهي إجابة دعائي، وما دام الأمر كذلك فأجب دعائي في الزمان الآتي من عمري، كما أجبته في الزمان الماضي منه.كما في قوله تعالى عن لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام “عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا” (سورة مريم: الآية 48).
فيما اعتبر الدكتور محمد راتب النابلسي قوله ” ألا أكون بدعاء ربي شقيا ” أن هذا بمثابة قانون, حينما تتجه إلى الله, وتسأله العفو والعافية, المعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة, لن تشقى بهذا الدعاء, بل تسعد به.
ومن دلائل عظمة الدعاء أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو السجود وهو الوضع الذي يحب فيه الدعاء لما روى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء” رواه مسلم. وذلك مصداقا لقوله تعالى ” كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ” (سورة العلق: الآية 19). كما أمر الله عباده المؤمنين أن يدعوه تضرعا واستكانة لقوله تعالى “ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ” (سورة الأعراف : الآية 55). عن هذه الآية يقول ابن كثير ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول “ادعوا ربكم تضرعا وخفية” وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا رضي فعله قال “إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا” (سورة مريم: الآية 3).
كما أن الله يطلب من عباده أن يسألوا من فضله كونه هو الجواد ففي قوله تعالى “وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا” (سورة النساء: الآية32)، يقول ابن كثير في تفسيره أي سلوني من فضلي أعطكم فإني كريم وهاب. وروى أبو نعيم وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل، وإن أحب عباد الله إلى الله للذي يحب الفرج”.
وهل هناك أجمل وأجل من أن الدعاء يرد القدر وهذه بمثابة فرصة لكل العباد أن يدعوه ربهم بأن يغير حالهم إلى الأفضل والأحسن فالدعاء بمثابة الأمل الدائم الذي وضعه الله لعباده حتى لا يتسرب إليهم اليأس والإحباط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم “لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر ” رواه الترميذي واحمد.
كما يقول الإمام ابن القيم ” إن الدعاء من أنفع الأدويةِ، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه ويمنع نزولَه، ويرفعه أو يخففه إذا نزل” wوهذا ما روى عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة” حسنه الألباني.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.