محبرة وقلم

“يعيش الندى ما عاش حاتم طيء وإن مات قامت للسخاء المآتم” محبرة وقلم

مشعل عثمان السعيد

مشعل عثمان السعيد

صدق وبر هذا الشاعر، وأثنى على من يستحق الثناء، فهل أنجبت عربية أندى كفاً وأسخى من حاتم طيء؟ لا والله ،ومن قال غير ذلك ظلم نفسه وأثم، وقلنا له بفيك التراب. أوليس حاتم القائل:
لقد كنت اختار القرى طاوي الحشا
محاذرة من أن يقال لئيم
وإني لأستحيي يميني وبينها
وبين فمي داجي الظلام بهيم
أما صاحب بيت الشعر، عنوان هذا الموضوع، فقد جعل الندى والسخاء في شخص حاتم طيء، فإذا مات حاتم طيء ماتت معه الخصال الحميدة التي جمعت في شخص واحد، هذا ما أراد أن يقوله هذا الشاعر، ولهذا البيت قصة تظهر شدة سخاء حاتم بن عبدالله الطائي، روي أن قيس بن خفاف البرجمي التميمي «أبو جبيل» أتى حاتم طيء في دماء حملها عن قومه، فأسلموه فيها، وعجز عنها، فقال: والله لآتين من يحملها عني.
وكان قيس هذا شريفاً شاعراً من سادات قومه، فلما قدم على حاتم قال: يا أبا عدي، لقد وقعت بين قومي دماء فتواكلوها، واني حملتها في مالي وأملي، فقدمت مالي، وكنت أملي، فإن تحملها فرب حق قد قضيته، وهمّ قد كفيته، وان حال دون ذلك حائل لم أذمم يومك، ولم أيأس من غدك، ثم انشأ يقول:
حملت دماء للبراجم جمة
فجئتك لما أسلمتني البراجم
وقالوا سفاها: لم حملت دماءنا
فقلت لهم يكفي الحمالة حاتم
متى آته فيها يقل لي مرحباً
وأهلاً وسهلاً اخطأتك الأشائم
فيحملها عني وإن شئت زادني
زيادة من حنت إليه المكارم
يعيش الندى ما عاش حاتم طيء
فإن مات قامت للسخاء مآتم
ينادين مات الجود معك فلا نرى
مجيباً له ما حام في الجو حائم
وقال رجال: أنهب العام ماله
فقلت لهم: إني بذلك عالم
ولكنه يعطي من أموال طيء
إذا جلف المال الحقوق اللوازم
فيعطي التي فيها الغنى وكأنه
لتصغيره تلك العطية جارم
بذلك أوصاه عدي وحشرج
وسعد وعبدالله تلك القماقم
فبش حاتم في وجهه وقال له: إن كنت لأحب أن يأتيني مثلك من قومك، هذا مرباعي «ربع الغنيمة الذي يأخذه الرئيس في الجاهلية» من الغارة على بني تميم، فخذه وافراً، فإن وفى بالحمالة وإلا أكملتها لك، وهي مئتا بعير سوى بنيها وفصالها مع اني لا أحب أن تويس قومك بأموالهم، فضحك أبو جبيل وقال: لكم ما أخذتم منا ولنا ما أخذنا منكم، وأي بعير دفعته الي ليس ذنبه في يد صاحبه فأنت منه بريء، فزاده على ما اعطاه مئة بعير، فأخذها وانصرف إلى قومه فقال حاتم:
أتاني البرجمي أبوجبيل
لهم في حمالته طويل
فقلت له خذ المرباع رهوا
فإني لست أرضى بالقليل
على حال ولا عودت نفسي
على علاتها علل البخيل
فخذها انها مئتا بعير
سوى الناب الرذية والفصيل
فلا من عليك بها فإني
رأيت المن يزري بالجزيل
فآب البرجمي وما عليه
من أعباء الحمالة من فتيل
يجر الذيل ينفض مذرويه
خفيف الظهر من حمل ثقيل
تعالوا نتعرف الآن على هذا الشاعر بتوسع: هو أبو جبيل عبد قيس، وقيل قيس بن خفاف، من بني عمرو بن حنظلة، من البراجم من تميم، عرف عبد قيس بسؤدده وشرفه العظيم في قومه، وكان شاعرا شجاعا من سادات بني تميم، وهو جاهلي، عاصر حاتم الطائي والنابغة الذبياني وملك العرب الأشهر: النعمان بن المنذر، ويظهر من سيرته انه عاش عمراً طويلاً، وهو أيضا شاعر حكيم كثير التجارب، تنوعت اغراض شعره فمنها: الفخر والمدح والحكمة وغيرها، وكان يثني على الخلق النبيل في أشعاره ويوصي به، ومن أفضل شعره على الاطلاق وصيته لابنه «جبيلا» يقول فيها:
أجبيل إن أباك كارب يومه
فإذا دعيت إلى العظائم فاعجل
أوصيك إيصاء امرئ لك ناصح
طبن بريب الدهر غير مغفل
الله فاتقه وأوف بنذره
وإذا حلفت ممارياً فتحلل
والضيف أكرمه فإن مبيته
حق ولا تك لعنة للنزل
واعلم بان الضيف مخبر أهله
بمبيت ليلته وإن لم يسأل
وصل المواصل ما صفا لك وده
واحذر حبال الخائن المتبدل
واترك محل السوء لا تحلل به
وإذا نبا بك منزل فتحول
وإذا هممت بأمر شر فاتئد
وإذا هممت بأمر خير فافعل
وإذا افتقرت فلا تكن متخشعا
ترجو الفواضل عند غير المفضل
واستغن ما أغناك ربك بالغنى
وإذا تصبك خصاصة فتجمل
وإذا تشاجر في فؤادك مرة
أمران فاعمد للأعف الأجمل
كارب: اقترب يومه، إيصاء: الوصية، طبن: فطن خبير، فتحلل: تخلص من اليمين الكاذبة، للنزل: للضيوف، المبتذل: المظهر خلاف ما يضمر التارك التصون والتحرز، فاتئد: تمهل، الخصاصة: الفقر والحاجة، فتجمل: تصبر.
أكتفي بهذا القدر.
جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله

كاتب كويتي
Mshal.AlSaed@gmail.com