25 عاماً على الغزو

اليوم تعود ذكرى الغزو الصدامي بكل مآسيها وأحداثها المؤلمة لتتجدد في الأذهان مثيرة المواجع, أكان بالنسبة الى اسرانا المفقودين الذين لم يكشف عن مصيرهم بعد ربع قرن من الغزو, أو الشهداء, أو التنكيل والتهجير الذي تعرض لهما الكويتيون من الغزاة.
اليوم يتجدد الوجع اكثر من ذي قبل, أكان حزنا على ظلم تعرضت له الكويت ممن كان يفترض انهم الاقرب اليها, ولهذا فالألم يبقى كبيرا جدا حتى بعد 25 سنة كما كان في اللحظة الاولى للعدوان لأن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة.
كنا نتمنى ألا تدخل هذه الذكرى التاريخ الكويتي ولا حتى العراقي والعربي عموما, وألا يكون مصير العراق التشظي والفظاعات التي ترتكبها اليوم جماعات ارهابية مختلفة الانتماءات والرايات والشعارات لكنها متفقة على هدف واحد وهو تمزيق العراق وقتل وتهجير شعبه والسيطرة على مقدراته.
كنا نتمنى أن يكون العراق المتحرر من قبضة الديكتاتور الجزار في أفضل الاحوال, اقتصاديا وسياسيا, والأهم من كل ذلك وحدوياً, وليس كما هو اليوم فسيفساء صراعات تشكلها الاهواء السلطوية المرتبطة بمشاريع اقليمية ودولية هدفها تفكيك المنطقة واغراقها في دوامة من الحروب الاهلية الطائفية التي لا تنتهي.
هذا العراق الضعيف الممزق اليوم, هو ذاته الدولة العظيمة صانعة الحضارات تاريخيا, المتحد في مواجهة المستعمر على مر التاريخ, واخرها ثورته في العام 1920 التي دحرت المستعمر البريطاني بقوة العزيمة الوطنية غير المنحازة مذهبيا, لا للسنة او الشيعة او المسيحيين, بل كانت قيادتها وثوارها من كل التلاوين الاجتماعية شعارها الانتماء الى الوطن الواحد.
إذا كانت المعاناة الكويتية من الغزو الصدامي تحولت فرصة للوحدة والتآزر واسقطت كل الحسابات السياسية لتكون الكويت فقط هي العنوان, فإن على العراقيين اليوم ان يتعلموا من ذلك وان يعودوا الى سماع صوت العقل الوطني.
في العام 1990 كانت ملحمة بيت القرين مثالا يحتذى ومن الدماء المقاومة التي سالت على ارضها استمدت الكويت صلابتها وعزيمتها على التحدي والصمود حتى التحرير, وبعد 25 عاما على هذه الذكرى الاليمة, ورغم كل الهنات ولعبة المصالح السياسية الضيقة لبعض التيارات السياسية في مواسم الانتخابات إلا أن كل هذا لم يضرب نسيجنا الاجتماعي, لذلك حول الكويتيون العملية الارهابية في شهر رمضان الماضي التي استهدفت مسجد الامام الصادق امتحانا جددوا فيه وحدتهم وترجموها بسلوك وطني كان محط اعجاب العالم أجمع.
في ذكرى الثاني من اغسطس, وبكل ما فيها من سواد يغطي هذا التاريخ, نتمنى للعراقيين ان يعودوا الى رشدهم الوطني ويطووا صفحة تناحرهم باتحادهم, والعمل معا ليس فقط على ازالة اثار الحكم الديكتاتوري الصدامي وضرب كل من يسعى الى تمزيقهم, بل ايضا على مواجهة المشروع التوسعي الايراني القائم على اوهام استعادة مجد امبراطورية فارسية محتها الاحداث في القرون الماضية, وأن يعود عراقهم مصدر قوة حضارية وخير في علاقاته مع جيرانه, لا سيما المملكة العربية السعودية والكويت اللتين رغم كل ما عانتاه من جور وطغيان وعدوانية صدام حسين إلا أنهما كانتا العضيد الاول للعراقيين بعد سقوط الديكتاتور.

أحمد الجارالله