53 عاماً والمال العام ضحية المصالح الانتخابية

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي كانت المنطقة تشهد تغيرات جذرية وصراعات وحروباً، وفيما كان ذلك يرخي بظلاله على الكويت متسببا بانقسامات فيها، لم تكن السلطة التشريعية يومها على قدر المسؤولية المفترضة فيها لممارسة دورها الطبيعي في منظومة حماية الامن الوطني، إذ رأيناها حينها تغرق في صراعات جانبية وصلت أحيانا الى حد إثارة الفتنة الداخلية، وإضعاف المناعة الوطنية.
اليوم يكاد المشهد يتكرر، داخليا وخارجيا، بل الصورة الحالية أكثر بشاعة من الماضي، وهو ما فرض حل مجلس الأمة السابق وفقاً لما جاء في مرسوم الحل خصوصا “دقة الظروف الاقليمية وما تقتضيه التحديات الأمنية من ضرورة مواجهتها بقدر ما تحمله من مخاطر ومحاذير، والعودة إلى الشعب مصدر السلطات لاختيار ممثليه للتعبير عن توجهاته وتطلعاته والمساهمة في مواجهة تلك التحديات”، ولذلك كان متوقعاً أن يبدأ النواب المنتخبون العمل على “المساهمة في مواجهة تلك التحديات” لكن للأسف لم يحدث ذلك.
لم يعد خافيا، إن بعض هؤلاء ليس همهم الأمن الوطني والتحديات المحيطة بنا، بل جاءوا إلى المجلس تتملكهم شهوة الزحف على صلاحيات الحكومة ومصادرتها، ضاربين بمبدأ فصل السلطات عرض الحائط، مكررين أساليب سادت في المجالس السابقة حين أرادت كتل نيابية جعل نفسها السلطة التنفيذية، وكأن نحو خمسة عقود من التجارب و35 حكومة وعشر مرات من حل المجلس، لم تكن كافية كي يدرك النواب ان لكل سلطة خصوصيتها كي يستقيم أمر البلد.
للحق لا يتحمل اعضاء مجلس الامة وحدهم كامل المسؤولية، فبعض الحكومات أفسحت في المجال لهم عبر تهاونها بممارسة صلاحياتها خوفا من مساءلات دستورية على أسباب واهية وكيدية، وبدلا من المواجهة كانت تلجأ الى أبغض الحلال، أي الاستقالة أو طلب حل المجلس.
كل هذا حصل على حساب التنمية في المجالات كافة، فتأخرت الكويت اقتصاديا وتعليميا وخدماتيا وتحولت بيئة طاردة للاستثمار، فيما هناك نواب حديثو العهد بالعمل البرلماني استمرأوا ممارسة الوصاية على سياسات الدولة حتى إنهم باتوا يتدخلون بعلاقاتها مع بقية دول العالم، وكأن الحكومة خلية من خلايا تياراتهم السياسية تنفذ أجنداتها دون اي اعتراض.
هذا ما أسميناه في السابق الديكتاتورية النيابية، محذرين مما يمكن أن تصل اليه الأمور في حال استمرت الحكومات على ضعفها أمام نواب همهم البقاء في مناصبهم أطول فترة ممكنة، للاستفادة من منافعها على حساب الدستور والمال العام… هذا المال كان ولا يزال الضحية الاولى لهم يشترون فيه ولاءات المفاتيح الانتخابية، تارة بالعلاج بالخارج الذي تحول في السنوات الاخيرة شيكا على بياض لهم، أو بالتوظيف العشوائي، وتمرير المعاملات المخالفة للقانون وكأن الحكومة مكتب انتخابي لهم.
منذ الاستقلال إلى اليوم ومع كل انتخابات جديدة، يستبشر الكويتيون خيرا بالسلطتين الجديدتين، لكن سرعان ما يتبخر هذا الأمل، وأحيانا قبل انتهاء الجلسة الأولى لمجلس الامة حين تبدأ علامات الصدام بين الطرفين بالظهور وكأن البلد حلبة مصارعة بين خصمين وليسا جناحين لا يمكن أن تقوم بواحد دون الآخر.
بعد 53 عاماً على الاستقلال من المفترض أن الممارسة الديمقراطية أصبحت أكثر رشدا، وتخلص السياسيون من المغامرات التي تسببت بكل الازمات التي شهدتها البلاد، باتوا اكثر قدرة على استشراف المستقبل وتذليل التحديات، وكذلك تكون الحكومة ثابتة وحازمة في ممارسة صلاحياتها دون خوف من استجواب أو تسريب ورقة ما أو شائعة، لكن هل حصل كل هذا؟
احداث السنوات القليلة الماضية تفيد بعكس ذلك، بل هذا الضعف الحكومي جعل بعض الكتل النيابية تتمادى الى حد اللعب بالأمن القومي للبلاد التي كادت تضيع لولا أن صاحب السمو الأمير منع عنها ذلك عبر سلسلة إجراءات إنقاذية، كان في مقدمها مرسوم “الصوت الواحد” الذي أصبح اليوم محل إجماع غالبية التيارات السياسية.
هذه التجربة المريرة تفرض على الحكومة ألا تكون شاهد زور، وتمارس صلاحياتها بالحق والدستور بحزم لتخرج البلاد من دوامة الضياع التي دفعتها إليها المغامرات النيابية.

أحمد عبد العزيز الجارالله

Print Friendly